أغنى ذلك عن ذكر كمال العقل ، لأنه لا يصح ذلك فيه إلا وهو عاقل .
فإن قيل : فيجب على هذه الطريقة ألّا يصح فيمن ليس بعاقل أن يعلم قبح الظلم والأمور الظاهرة ، وهذا بخلاف المعقول . قيل له : إنا لا نجوز فيه أن يعلم ذلك ، وإن كان قد يظنه تقليدا وعادة ، ولسنا نعتبر في كمال العقل ما يذهب إليه الفقهاء في كيفية البلوغ ، وإنما نعتبر فيه العلوم المخصوصة التي قدمنا ذكرها من قبل ، فلا يمتنع في كثير من المراهقين أن يكونوا من العقلاء ، ويلزمهم التكليف العقلىّ وإن لم يدخلوا تحت الشرعيات ، وهذا أولى مما يمر في كلام الشيخين رحمهما اللّه :
أن من ليس بعاقل قد يعلم قبح القبيح . فأما استحقاق الذم المخصوص الجاري مجرى الضد للشكر ، فإنما يستحق بالقبيح ، لكونه إساءة إلى الغير ، مع ما ذكرناه من الشرط في الذم ، للعلة التي قدمناها ، لأن العقلاء يعتقدون « 1 » ذم المسىء إذا أمكنه التحرز منه ، ويعتقدون أن للمسيء مزية فيما له أن يفعله من الذم ، كما أن له مزية في أنه يلزم الاعتذار إليه ، ويعتقدون أن ذلك الضرب من الذم يزول بالاعتذار .
والضرب الآخر من الذم قائم ، ولا بد من القول بذلك ، لأنه في حكم المقابل للإحسان ، فإذا كان المحسن يستحق على من أحسن إليه ضربا آخر من التعظيم والشكر ، يزيد على المدح الّذي يستحقه على جميع العقلاء ، فكذلك القول في الإساءة ، ولذلك وجب في العقل الفرق بين المحسن والمسىء ، على خلاف ما يجب من مدح من يفعل الواجب الّذي يخصه ، وذم من يفعل القبيح الّذي يخصه ، فأما استحقاق العوض فلأنه إضرار بالغير ، على ما بيناه في كتاب العوض ، حتى إنه قد يجوز أن يستحق ، وإن لم يكن قبيحا على بعض الوجوه ، لكن الأكثر مما يستحق به لما كان هو القبيح ، ذكرناه في هذا الباب ، وتفصيل ذلك قد تقدم .
هامش
( 1 ) يعتقدون : والسياق يقتضي وجودها ، حملا على نظيرتها الآتية .