وإنما شرطنا في الفاعل ما ذكرناه ، لأنه قد علم بالعقل أن المجنون والصبىّ لا يحسن ذمهما على القبيح ، الّذي يحسن منعهما منه والدوام عليه ، وإنما قلنا إن التمكن من العلم بقبحه ، يحل محل العلم بقبحه ، لأن عنده يمكنه التحرز بأن يعلم ، فيتجنب ، فصار بمنزلة من يجب عليه الفعل ، إذا أمكنه أن يفعل المقدمة التي يصل بها إلى فعله ، ولذلك يقبح من البرهمىّ تكذيب الأنبياء ، ومن اليهودي مجانبة شريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد بينا ذلك في باب المعرفة .
وإنما شرطنا التخلية ، لأنه قد ثبت في العقل أن المحمول على الفعل يتعلق الذم فيه بالحامل دونه . فإن قال : هلا شرطتم في ذلك أن يفعل القبيح لقبحه ، كما تشترطون ذلك في فعل الواجب ، واستحقاق المدح به ؟ قيل له لأنّه قد ثبت في العقل فيمن لا يعلمه قبيحا ، أنه يستحق به الذم ، وإن لم تصح فيه هذه الشريطة ، وثبت أيضا أن العاقل لو فعل القبيح لنفع نفسه كالظلم وغيره ، لم يخرج من أن يستحق به الذم ، فبطل ما قلته .
فإن قال : هلا شرطتم في ذلك أن يكون إساءة إلى من يحسن منه ذمه ؟
قيل له : لأنه قد ثبت فيما ليس بإساءة ، أنه يحسن من العقلاء ذمه ، وأنه قد يحسن ذلك ممن ليس بإساءة إليه ، كحسنه من المساء إليه .
فإن قيل : هلا شرطتم في ذلك ألّا يستحق من المدح ما يوفى عليه ، كما تقولون في الصغائر ؟
قيل له : لأن هذا الوجه يقتضي المنع من تقرر الذم ، لا أنه شرط في أصل استحقاقه ، ولذلك قد يستحق الذم على القبيح ، حصل هناك مدح أو لم يحصل ، وهو في بابه كالتوبة التي تزيل الذم ، أو تمنع منه ، فتكون مسقطة ، لا أنها شرط للاستحقاق .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 174
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٧٤