تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
أو بغير ذلك ، كان الشكر الواجب بحسبه ، ولذلك كان المستحق من الشكر على اليسير من المأكول والمشروب عند شدة الحاجة ، أعظم من الشكر الواجب على كنز المال عند الغنى . ويجب على العبد في شكره تعالى أن يدوم عليه ، وأن يبلغ فيه نهاية الممكن ، حتى لو كان في طوقه أكثر مما فعل ، لكان يلزمه أن يفعل . وإنما يختلف حال العباد في باب اعتقادات النعم ، فكل منهم يعتقد القدر الّذي وصل إليه ، لأنها مختلفة المقادير ، فأما في الوجه الّذي ذكرناه ، فحالهم فيه متساوية ، لأنه لا مزيد على نعمه التي هي أصول النعم ، فلما كان لا يوصف بالقدرة على أكثر منها ، لزم الشاكر ما ذكرناه من بذل الجهد . فأما العبادات فمصالح ، وإنما تتقدر بحسب ورود الشرع ، لأنا إنما نجريها مجرى الشكر ، لا أنها في الحقيقة شكر ، ولذلك اختلف حال المكلف فيها ، ففيهم من لا يلزمه أصلا ، ولا يجوز مثل ذلك الشكر ، وهذا أحد ما يبطل قول البغداديين إنها تجب على طريقة الشكر ، وإنها لا تجب لأجل الثواب ، ومن حيث كانت ألطافا . ولا يعتبر في وجوب الشكر إيصال المسرة إلى المشكور ، لأن ذلك قد يجب والمنعم ميت ، كما يجب وهو حىّ ، وقد يجب وهو غائب لا يعرف موضع الشكر ، كما يجب وهو حاضر ، ولذلك صح وجوب الشكر للقديم تعالى ، وإن استحالت عليه المنافع ، فصار من هذا الوجه بخلاف الحقوق الداخلية في باب المنافع والمضار ، ولذلك أسقط المنعم شكره لما سقط ، ولو سقط / حقه في الدّين لسقط . فأما وجوب دفع الضرر عن نفسه في الدين والدنيا ، فمن الواجبات العقلية ، إذا لم يدخل في حد الإلجاء ، وعلى هذا الوجه يلزم العبد المصالح والألطاف التي إنما تكون كذلك من فعله ، وعلى هذا الوجه لزمه النظر والمعرفة ، على ما قدمنا