تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
فأما الإرادة والعزم فإنهما يتبعان وجوب الأفعال ، فيلزم المكلف إذا وجب عليه الفعل أن يريده ، ولربما لزمه العزم إذا تعذر الفعل ، على ما تقدم به القول ، وقد بينا في باب الإرادة أنها مانعة للمراد في هذا الوجه وغيره ، وهذا جملة القول فيما يتعلق بحقوق الغير . فأما ما يلزم المكلف من شكر النعمة ، فإنه جار مجرى كمال العقل ، لأنه يعلم بعقله إذا وصلت إليه وسلمت ، أنه يلزمه فيها الشكر ، فإن علمها على طريق الجملة ، لزمه الشكر على هذا الحد ، وإن علمها مفصلا ، لزمه الشكر للمنعم بعينه ، على النعمة بعينها ، وما يلزمه من شكر العباد يجرى مجرى الحق لهم ، وهو الأصل في معرفته ، فإذا علم من بعد الاستدلال نعم القديم تعالى ، يعلم وجوب شكره ، وقد بينا في باب المعرفة أنه يجب أن يعلم النعمة ، وأنها فعل له سبحانه ، وأنه فعلها على وجه الإحسان ، وبينا أن ذلك على التفصيل لا يصح أن يعلمه ، إلا بعد أن يعلم أنه حكيم ، لا يفعل القبيح ، ولذلك أن المجبرة لا يمكنها أن تعرف القديم تعالى منعما على العباد ، خصوصا على الكفار الذين خلقهم للكفر ، فإذا قال إذا علم بالدليل أنه تعالى المنعم بما هو عليه من ضروب النعم ، فكيف يصح أن يعلم غيره منعما ، ويستحيل فيه مع فقد نعم اللّه الإنعام ، قيل له إن نعمة غيره وإن كانت تتبع نعم اللّه تعالى عليه ، فذلك غير مانع من كونها نعمة ؛ لأن واهب ملكه لغيره ، لولا هبته لما انتفع الموهوب ، ومن جهته / ملك ذلك ، وإن كان تعالى هو المملك عنده ، فصار منعما من هذا الوجه ، لكن الّذي يستحقه من الشكر يسير بالإضافة إلى ما يستحقه تعالى ، ولذلك يستحق بنعمة العبادة ، لأنها مستقلة بنفسها ، عظيمة غير تابعة لنعم غيره ، على ما بيناه من قبل . واعلم أن الشكر على ضربين : أحدهما بالقلب ، وهو الّذي يجب في كل حال ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 166 | القاضي عبد الجبار الهمذاني