تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
وإنما يجب بالعقل في الأبدال ما سد مسد المتلف في النفع ودفع الضرر ، فإن وقع التراضي في ذلك بأمر مخصوص جاز ، وإن حصل بالمواطأة في ذلك نقدا مخصوصا جاز . فأما إيجاب النفقات وطريقة الشرع ، وإنما يلزم بالعقل ما يدفع به المكلف الغم عن نفسه ، فيصير في حكم دفع الضرر عن النفس ، وهذا لوجوب النفقة عليه للولد الّذي يغمه ما يلحقه من الضرر بفقد النفقة ، فأما من ليس هذا حاله ، فليست النفقة بواجبة عليه . فأما دفع المضار عن غيره فليس بواجب عقلا ، وسنذكر ذلك في باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وقد ذكرنا جملة منه في باب الأصلح ، فإذا لم يجب دفع الضرر عن الغير ، فبألا يجب إيصال النفع إليه أولى ، لأن ذلك ليس بواجب عليه في نفسه أيضا ، وإنما يحسن منه فقط ، فبألّا يجب في غيره أولى . فأما الكف عن ظلم الغير ، فقد بينا أنه واجب ، ولا يعدو ذلك في حقوق الغير ؛ لأنه لم يثبت لذلك الغير عليه حق يؤدّى على نحو ما ذكرناه ، وإنما يلزمه ترك الابتداء بالظلم ، فلا يدخل ذلك في هذا الباب ، وإن كنا نمثل الحق به ، بأن نقول : كما يلزمه التجوز في ظلمه ، فكذلك يلزمه إيصال حقه إليه ، وإلا كان ظالما له ، لأن سبب ملكه هو الظلم المبتدأ على بعض الوجوه ، والامتناع من رد ملكه يقرب من ذلك في إنزال الضرر به ، لأنه إذا بقي ذلك المسلوب في ملكه ، انتفع به ، ودفع به المضرة ، فكذلك إذا أوصل حقه إليه ، فالامتناع من ذلك بمنزلة ظلمه . وهذا التشبيه لا يمنع من التفرقة بينهما فيما قدمنا ذكره . واعلم أن العلم بهذه الحقوق كالأصل لوجوبها ، فإذا كان حاصلا باضطرار فلا تكليف فيه عليه ، فإذا كان طريقه الاكتساب ، فواجب عليه أن يعلم ، فيعمل بما علم . وقد بينا أن الشّبه لا تؤثر في وجوب ذلك عليه ، فلا وجه لإعادته .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 165 | القاضي عبد الجبار الهمذاني