ما يقوله شيوخنا رحمهم اللّه من الخطاب بالمجمل ، من غير بيان يقترن به ، وخطاب العربىّ بالزّنجية من غير بيان ، ويدخل فيه تكليف ما لا يطاق ، إذا تعرى عن العقليات ، ويدخل فيه مخاطبة الجماد ومن لا يفهم ، إلى غير ذلك ، ولا فرق بين أن يعلم كونه كذلك ، أو يجوزه على نحو ما ذكرناه .
فأما ما يقبح منه لأنه ظلم ، فهو ما يعلم أنه يؤدى إلى ضرر فيه أو في غيره ، فإن جوز ذلك بأمارة قبح أيضا ، فأما إذا كان له في الكلام غرض ولا يعلم فيه مضرة ، ولا أمارة يظن عندها ذلك ، فهو كالتنفس في الهواء ، في أنه يحسن ، لأن ما هذا وصفه ، فقد دخل في باب المباح ، وإنما ينتقل عنه بدلالة أو أمارة .
فأما ما يقبح منه لأنه مفسدة ، فأكثره مبنى على السمع دون العقل ، لأنه لا يعلم بدليل العقل أن القول يؤدى إلى فعل قبيح ، أو إخلال بواجب ، فالطريقة فيه كالطريقة في الشّرعيات ، وكل فعل مما ذكرناه علم في الجملة بعض هذه الوجوه فيه ، فالواجب على العاقل أن يتجنبه ، وإن لم يعلم تفصيله ؛ فلو أن بعض الأنبياء خبّر بقبح كلام وقول ، لكنا نعلم ثبوت بعض ما قدمناه من وجوه القبح فيه ، ويلزمنا تجنبه ، وإن لم يعلم التفصيل ، لأنا قد بينا أن القبيح لا يثبت قبيحا بقول الرسول ، وإنما يكشف قوله عن حاله ، فيكون كالدلالة عليه . فأما القول في الإرادة فقد تقبح لتعلقها بالقبيح ، وقد تقبح إذا كانت إرادة لفعل ما لا يطاق ، وقد يقبح لكونها عبثا وظلما ومفسدة . فهي مفارقة في وجوه قبحها لما ذكرناه من الكلام ، لأن ما نذكره من كونه [ عبثا ] « 1 » ومفسدة وظلما يشيع في جميع الأجناس ، فإن ذكرناه صح ، وإن حذفنا ذكره جاز أيضا .
والقول في الكراهة على ما ذكرناه ، لأنها تقبح إذا كانت متعلقة بحسن ،
هامش
( 1 ) عبثا : ساقطة من الأصل ، وأثبتناها لوجود واو العطف قبل ( مفسدة ) .