ما نعلم به العقليات يحل هذا المحل ، فيجب أن يستقل به . وقد بينا بطلان قول المجبرة ، الذين يقولون إن بالعقل لا يعرف الفرق بين القبيح والحسن ، وإن ذلك موقوف على الأمر والنهى بوجوه كثيرة ، فليس لأحد أن يقول : إنما يحتاج إلى السمع ليفصل العاقل بين الواجب والقبيح .
وبعد ، فإنا نبين أن السمع إنما يعلم به ما يكون مصلحة ومفسدة في التكليف العقلي ، ولا يحسن أن يرد إلا لهذه الفائدة ، فلو لا أن التكليف العقلي يستقل بنفسه ، لما صح ورود هذا السمع ، ولذلك جوزنا في كثير من المكلفين ألّا يكون لهم ألطاف فيما كلفوا ، فلا يحسن بعثة النبي إليهم ، لأنه متى علم من حال المكلف أنه يقوم بكل ما كلف على كل وجه ، أو يقضى على كل وجه ، فبعثه للأنبياء فيه ، لا فائدة فيه ، وإنما يبعث تعالى رسله لأداء الأمور التي إذا اختلفت الشرائع ، وضح فيها النسخ ، وليس كذلك حال العقليات ، لأنها لا تختلف في الوجه الّذي حصل فيه التكليف .
فإن قال : فيجب أن يجوزوا خلو التكليف العقلي من السمعي ، على كل حال .
قيل له : إن أهل العقول يجوزون ذلك ، بشرط أن يعلم من حالهم أنه لا لطف لهم في ما يحمله الرسول ، فأما أن يجوزوا ذلك مع كون الشرائع لطفا لهم ، فبعيد ، لأنه تجويز لما يجب أن يعلم فيه الوجوب ، لكنه لا يمتنع ألّا يكلف اللّه تعالى في الأصل إلا من لا لطف له في الشرعيات ، فلا يبعث إليهم الرسل ، ويكون بعثه عبثا ، لا فائدة فيه لو فعله ، تعالى عن ذلك . وسنبين هذه الطريقة عند الكلام في النبوّات .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 153
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٥٣