وكما يجب معرفة القبائح ، فكذلك يحب معرفة وجوه قبحها ، ويجب أن يعرف الوجوه التي يلزمه التحرر منها لأجلها ، وكذلك القول في وجوب الواجب ، ووجوه وجوبه ، وما يلزمه أن يفعله عليه . ويجب أن يعلم العاقل ما يستحق بذلك ، من مدح وذم ، وعقاب وثواب . ومن جملة ما يجب أن يعرفه المكلف وجوب التوبة عليه ، بإزالة ما يستحقه من العقاب ، لكي ينتفع بأداء ما كلّف ، فلا بد من بيان حال التوبة ، وما يتصل بذلك ، وليس يجوز أن يوقف على ذلك إلا وقد عرف الوجوه التي عليها يتعلق الذم والمدح ، حتى يتوب من ذلك الوجه . ولا بد للمكلف من أن يفصل بين ما يلزمه من حقوق العباد ، والفرق بينها وبين ما تلزمه العبادة ، وأنت تجد ذلك في تفصيل أبوابه .
فصل في أن المكلف يعلم بعقله ما كلف من دون سمع
اعلم أن ما تفتقر صحة السمع إليه ، لا يجوز أن يحتاج فيه إلى سمع ، لأنه يؤدى إلى حاجة كل واحد منهما إلى صاحبه ، وذلك يوجب ألا يوجدا جميعا . وقد بينا أن السمع هو الكتاب والسنة ، ولا يصح معرفة صحتهما إلا مع العلم بأنه تعالى حكيم ، لا يفعل القبيح ، فلو لم يمكن معرفة ذلك عقلا ، لم يصح معرفة السمع البتة ، وقد بينا أن المعجز يدل على النبوّات كدلالة التصديق ، فإذا لم يصح أن يعلم تعالى صادقا بقوله وقول الرسول ، فيجب ألّا تصح معرفة النبوّات بقولهما ، وذلك يوجب أن يعرف من جهة العقل . وقد بينا في باب النظر والمعارف ، أنه يمكن التوصل إلى معرفة اللّه تعالى بأدلة العقل ، فلا يحتاج في ذلك إلى سمع ؛ وبينا أن التخويف الّذي عنده يجب النظر ، قد يحصل بقول الداعي وورود الخاطر ،