ألا يصير ما عنده يعاقب صلاحا له ، لأن كون العقاب داخلا في الصلاح ، في الاستحالة بمنزلة جواز الصلاح للقديم سبحانه ، وللأعراض ، فأحدهما كالآخر .
وقيل لهم على هذا المذهب : لئن جاز أن يتغير حال العقاب بالانضمام ، ليجوزن أن تتغير حال ما يستحقه الإتيان من الثواب والانضمام ، فيكون صلاحا إذا أفرد بالتكليف ، وفسادا إذا ضم إلى تكليفهما تكليف من المعلوم أنه يكفر ، فلما كان حال ثوابهما لا يتغير بالانضمام ، فكذلك حال عقابه .
وبعد ، فمتى علم أنه عند إيمانهما يكفر زيد لو كلف ، ويكفر عمرو لو كلف ، وكل واحد منهما لو كلف بانفراده لتغير حاله ، فكيف لا يتغير حالهما لو جمع بين تكليفهما ، حتى يصير تكليفهما كتكليف أحدهما ، في دخوله في أن يكون صلاحا ؟
وهذا يوجب أن يجوزوا تكليف اثنين ، يعلم أنهما يكفران عند تكليف آخرين يعلم أنهما يؤمنان . على أنه تعالى ممن لا تجوز عليه المنافع والمحاباة ، والأصلح في الواحد كالأصلح في الجماعة عنده ، وكان زيد لو كلف وحده لآمن ، وفات فيهما التكليف الّذي يؤمنان عنده ، كما أنهما متى كلفا وكلف زيد آمنا ، وفات زيدا الإيمان والثواب ، فلم صار تعالى بأن يجب عليه أن يفعل ما يفوت عنده صلاح زيد وحده ، أولى من أن يفعل ما عنده يحسن له الصلاح ، ويفوت الآخرين ، والأصلح على العموم والخصوص واجب عليه . وهلا قيل إن الأولى في الحكمة ألا يكلف الجميع ، لكن لا يحصل العقاب ، لأن ما يزول معه العقاب ، أولى مما يفوت به الثواب ، كما أن أحدنا يعلم أن الأولى في تدبيره علما به وأولى به أن يفعل ، ما يزول معه منافعهم فقط ، دون ما يحصل معه المضار لبعضهم ، وهلا وجب في الحكمة فيمن هذا حاله أن يتفضل تعالى عليه ولا يكلفه ، لأن الجمع بينهم في التفضل يقتضي اجتماعهم في نيل المنافع ، ومتى كلفوا انفرد اثنان بالمنافع ، وحصل الآخر مستحقا للعقاب ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 146
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٤٦