المكلف ، فإن كان كذلك ، فقد علمنا أن كفر زيد متى كلف وحده لا يكون إلا فسادا ، فكذلك إذا كلف معه من يؤمن ، لأن حاله في الوجه الّذي له كان تكليفه فسادا ، أو خارجا من الصلاح ، لم يتغير بالمضامة والانفراد ، ولو جاز والحال هذه أن يقال إن تكليفه يحسن ويجب ، وإن كفر عنده لإيمان الآخرين ، لجاز أن يقال إنه يحسن منه تعالى أن يظلمه عند إيمان الآخرين ، وإن كان لا يحسن ذلك لو انفرد ، وأن يدعوه إلى الفساد ، وينعاه « 1 » عليه ، ويغريه به عند إيمان الآخرين وإن كان ذلك يقبح لو أفرد بالتكليف .
واعلم أن المنافع إنما تؤثر في قبح المضار ، فتتعلقه إلى الحسن متى كانت واصلة إلى من تصل المضرة إليه ، فأما إذا كانت واصلة إلى غيره ، فوجودها كعدمها ، في أن الضرر يقبح ، ولولا أن الأمر كذلك ، لوجب أن يحسن الظلم بانتفاع الظالم ، إذا كان أزيد لشدة حاجته إلى « 2 » ما يلحق المظلوم من الضرر لأجل غناه ويساره ، وقد علمنا فساد ذلك ، فلا يمكنهم أن يقولوا إن انتفاع المؤمنين بحسن المضار التي تلحق من المعلوم أنه يكفر .
فإن قالوا إنما يقبح هذا الضرب من المضرة لتعريه من انتفاع الغير ، وإن كان ما عداه من المضرة إنما يقبح متى بعرى من انتفاعه نفسه .
قيل له : فيجب أن يحكم في كل ضرب من المضرة بمثل ذلك ، لأن الحال في المضار لا تختلف ، ولو جاز ما قلتموه لجاز للمجبرة أن تقول في المضار : إنها إنما تقبح إذا قارنت القدرة المحدثة ، فأما إذا تعرت منها لم تكن إلا حسنة .
وبعد ، فإنه يلزمهم أن يجوزوا تكليفه وحده وإن كفر ، إذا تفضل تعالى عنده على جماعة من الخلق ، لأنه لم يتعر من المنافع ، وعندهم أن ذلك يقبح ، ويلزمهم فيمن
هامش
( 1 ) في الأصل : ينعيه ، والّذي في اللسان : نعى عليه الشيء ينعاه : قبحه وعابه عليه ووبخه .
( 2 ) في الأصل : « إلا » .