علم سبحانه من حاله وهم ثلاثة ، أنه لو كلفهم على وجه لآمنوا ، ولو كلفهم على وجه آخر ، لكفر الواحد منهم وآمن الاثنان ، أنه يحسن أن يكلفهم على هذا الوجه ، لأن المضار لم تتعرّ من المنافع ، وبطلان ذلك يبين فساد ما اعتلوا به .
فإن قالوا : قد قلتم إن تكليفه بانفراده يحسن ، وإن كفر عند تكليفه غيره لم يحسن ، وحاله لا تتغير ، فكيف عبتم علينا مثله .
قيل له : إنا حكمنا بقبحه إذا كفر عنده غيره ، لأنه استفساد في بابه من الدعاء إلى الكفر ، على ما قدمناه من قبل ، ولأنه لو زال نفع المكلف ، لم يفعل ما يكفر عنده ، وليس كذلك حاله إذا أفرده بالتكليف ، لأنه استفساد فيه ، وقد صح عندنا أن التعريض للشئ في حكمه ، فإذا كان معرّضا للثواب صار تكليفه نعمة ، وإن كان المتعالم أنه يكفر بسوء إحسانه ، فأين الّذي قلناه من مذهبكم ، الّذي لا فصل بين أن يفرد بالتكليف ، في أنه يحصل من أهل العقاب ، وبين أن يضم إليه تكليف الآخرين ؟
وبعد ، فكيف يصح عند تكليف من / يؤمن ، أن ينقلب العقاب ، فيتغير حكمه ، مع أن حاله واحدة . فإذا كان العقاب الدائم الّذي يشترك به ، متى كلّف وحده فسادا ، فيجب أن يكون كذلك ، وإن كلف معه غيره ، لأن في الحالين قدر العقاب الّذي ينزل به ودوامه لا يتغير ، ومتى قيل عند تكليفهما إن العقاب صلاح ، فهو بمنزلة أن يقال إنه لذة وسرور ، وإنه خارج من أن يكون ألما وغما ، وهذا بمنزلة قلب المشاهدات .
وعلى هذا الوجه ، ألزمهم شيوخنا رحمهم اللّه أن يقولوا إنه عند تكليفهما يصير الشيء صلاحا للأعراض والمعدوم ، بل يكون صلاحا للقديم ، وإن كنا نعلم استحالة المنافع على كل ذلك ، وعلى القديم تعالى ، فلما كان هذا باطلا ، وجب
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 145
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٤٥