تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
فأدّاهم ذلك القول ، إلى هذا القول ، وقد علمنا أن تكليف عمرو وخالد مفسدة في تكليف زيد ، لأنه يكفر عند تكليفهما ، ولولا ذلك لآمن ، كما أنهما يؤمنان عند تكليفه ، ولولا ذلك لما آمن ، فقد صار ما هو فساد في الدين ، واجبا عندهم وحسنا ، وداخلا في الأصلح ، وزعموا أن ذلك يحسن ، لأنه أعم في الصلاح ، لأنه إذا كلف وحده ، حصل إيمان واحد ، وإذا كلفا معه حصل إيمانان وهو في الكفر أتى من قبل نفسه ، فيجب أن يحسن ذلك ، وإذا كان هو الأصلح ، وجب ولزم . فأما إذا علم أنه يكفر لو كلف وحده ، فيجب أن يقبح ، لأنه لا صلاح فيه ، لأن عندهم أن الصلاح في التكليف ، يعتبر بما يحصل له وعنده من الثواب ، ولا يعتبر به نفسه إلا على وجه التبع . فقالوا : إذا كان يؤمن عند تكليفه وكفره اثنان ، فما يحصل من المنافع ، أكثر منه إذا كلف وحده وآمن ، فيجب أن يكون الأولى في الحكمة . فأما إذا كان يكفر لو كلف وحده ، فلا نفع هناك ، بل هناك مضرة ، لأنه يستحق العذاب عنده ، فيجب أن يكون فسادا وقبيحا . وعلى هذا الوجه قالوا : علم سبحانه أن عند فعل من الأفعال ، يؤمن اثنان ، ويكفر واحد ، فهو الأولى في الحكمة ، مما يكفر عنده اثنان ويؤمن عنده واحد ، حتى ألزمهم شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه على هذا القول ، أنه تعالى يلزمه أن يفعل ما يكفر عنده نصف المكلفين إلا واحدا منهم ، إذ كان المعلوم أن النصف الثاني يؤمنون عند إيمان وذلك الواحد ، وهذا صريح مذهبهم ، لأنه لا فرق بين زيادة القليل والكثير في هذا الباب ، وبين أن المتقدمين لم يستجيزوا ارتكاب هذه المقالة ، لأنها أعظم من قول أصحاب اللطف ، لأنهم إنما جوزوا ألا يفعل تعالى ما يعلم أن المكلف يؤمن عنده ، ولم يوجبوه ، كما قلنا ، ولم يجوزوا أن يفعل سبحانه ما يكفر المكلف عنده ، وألحقوا بالاستفسار ، وامتنعوا منه أشد امتناع .