فإن قال : يمنع من ذلك أنه تعالى لا بد من أن يعلم من حالهم ، أنهم لو كلفوا لآمنوا ، أو لآمن بعضهم .
قيل له : قد ثبت أن ذلك لا يوجب التكليف على وجه ، فلا يصح التعلق .
فإن قيل : لو خلقهم تعالى في الجنة ولا / تكليف ولا وعيد ، لكان ممرحا لهم .
قيل له : قد بينا فساد ذلك .
واعلم أن الممتنعين من هذه المقالة ، إنما أتوا لقولهم بالأصلح ، ولاعتقادهم ما قدمنا ذكره من الشّبه ، فيمن قالوا : إنه تعالى لا بد من أن يكلفهم .
فإذا ثبت بما قدمناه بطلان كلتا « 1 » الطريقتين ، فقد صح جواز ابتداء اللّه تعالى الخلق في الجنة ، ولا فرق بين الجنة والحال هذه ، وبين الدنيا ومواضع نزهها . وإنما ذكر في المسألة الجنة لا لأن لها اختصاصا بهذا الخلاف ، وقد ألزمهم شيوخنا رحمهم اللّه ألا يجوزوا أن يخلق تعالى مع المكلّف في الجنة ، من يتفضل عليهم من الولدان الحور العين « 2 » وغير ذلك . فمنهم من ارتكب أن ذلك لا يجوز ، وزعم أن كل من يخلقه هناك ، فهم الذين كانوا في الدنيا من الأطفال وغيرهم ، حتى قالوا في البهائم :
إنها التي كانت في دار الدنيا ، ومنهم من جوز ذلك ، وزعم أن المكلفين يؤدبونهم ويهذبونهم ، فلا يقع منهم تعد ولا بغى ، وقد علمنا أن ذلك إذا لم يمنع في دار الدنيا ، ولا تكليف فبألا يمنع في الآخرة وليست دار تكليف أولى ، فما الّذي يمنع من أن يخلق تعالى هناك خلقا مستأنفا ، ويتفضل عليهم ، وقد ألزموهم على قولهم بالأصلح ، ألا يقتصر تعالى في التفضل عليهم على منزلة إلا ويفعل أكثر منها ، وهذا
هامش
( 1 ) في الأصل : « كلى » ، وكلا تضاف لمثنى مذكر ، وتكتب بالألف .
( 2 ) في الأصل : وحور العين ، بالإضافة .