قيل له : قد بينا أن ذلك يحسن وإن لم يعرفوه ، لأن اتصال النعمة إلى من لا يعرف قدرها قد يحسن ، وبينا أنه تعالى يعلمهم ذلك ، بما يفعله من العلوم الضرورية في قلوبهم . وبينا أن ذلك لو لم يتم إلا بآلام يسيرة ، لحسن أن يفعلها بهم ، لكي يعرفوا موقع النعمة ، فيخرج من أن يكون عبثا ، وكل ذلك يبين أنه لا يجب تكليفهم .
فإن قال : يمنع من ذلك أن الجنة من حقها أن تكون ثوابا وجزاء ، فلا يصح أن يسكنهم إياها .
قيل له : إنه تعالى لا يكون مثيبا بها لذاتها ، وإنما يثيب بها لضرب من القصد ، فإذا خلقها ولم يرد المجازاة كانت تفضلا ، ولا يكون ثوابا ، كما أن الجنة لا تكون ثوابا للولدان وحور العين وإن سكنوها .
فإن قال : إذا كان سبحانه يخلقها على الحد الّذي يكون ثوابا ، فكيف يحسن ذلك وعندكم أن للثواب صفة وقدرا ، ولا يجوز فيمن لا يستحقه أن يساوى فيهما من يستحقه ؟ قيل له : إنه تعالى لا يفعل ذلك على هذا الحد ، بل يفعلها دون القدر الّذي لا يكون ثوابا ، ولا يفعلها على وجه التعظيم .
واعلم أن المعتبر فيمن يخلقه فيها ، بحال كل واحد في نفسه ، لا بحالهم أجمع ، فإذا كان تعالى لا ينيل كل واحد بعينه إلا دون القدر الّذي يستحقه أقل المثابين منزلة ، ولا يعظم بذلك على الوجه الّذي يعظم المثاب ، فلا معتبر بجملتها ، فلو أنه تعالى خلقها في الكبر وفي الأحوال على الحد الّذي يخلق عليه جنة الخلد ، لكنه فعل بمن يخلقه فيها ما ذكرناه ، لم يجب أن يكون قبيحا ، كما لا يجب فيما يفعله تعالى بالحور العين ، أن يكون فاعلا فعلا قبيحا .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 138
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣٨