أن ينعى على غيره ، ويتعدى عليه ، فإذا علم قبح ذلك كان مكلفا للامتناع منه .
قيل له : إنه تعالى يلجئهم إلى ألّا يفعلوا القبائح أجمع ، وإنما يحسن التكليف مع التخلية ، فأما مع الإلجاء فإنه لا يحسن ، كما لا يحسن مع الضرورة .
فإن قيل : أليس الإلجاء إنما يصح بأن يعلمهم أنهم لو حاولوا القبيح لمنعوا منه ، فكيف يصح ذلك والإعلام من اللّه تعالى لا يصح ؟
قيل له : قد بينا أنه سبحانه يجوز أن يضطر إلى المعارف بما دللنا عليه ، فإذا صح ذلك ، لم يمتنع أن يخلق فيه هذه المعرفة ، فيعلم بها أنه لو حاول قبيحا لكان تعالى سيمنعه ، ويعلم أن تقدير المنع على هذا الوجه كبيانه ، فإذا كان المنع لو كان قائما لما حصل الفعل ، فكذلك إذا كان سيقع لا محالة متى رام الفعل ، ولذلك قال شيوخنا :
إن الإلجاء كالمنع في زوال التكليف معه .
فإن قال : أليس والحال هذه هو قادرا على القبيح وتركه ، فكيف يصح أن يكون في حكم الممنوع ؟ قيل له : إن الإلجاء في أنه يصرف عن الفعل على كل حال ، أصل متقرر في الشاهد ، ولذلك يحل محل المنع ، ألا ترى أن أحدنا إذا علم أنه لو رام الإقدام على ملك بين يديه جيشه وحشمه ، لقطع دون ذلك ، بل كان يقتل قبل وصوله إلى ما رامه ، أنه ينصرف بذلك عن هذا الفعل ، كانصراف من قد منع من القرب من الملك ، وحيل بينه وبينه ، بل قد عرفنا أن الظن في ذلك يقوم مقام العلم ، وإذا ثبت ذلك وصح أن الإعلام منه تعالى آكد مما ذكرناه في الشاهد ، فيجب أن يحكم بأنه يصرف العبد عن القبيح ، كما أن المنع يصرفه عنه ، وذلك يمنع من التكليف .
وقد بينا في باب الإلجاء ، القول في ذلك ، وأن من حق الفعل إذا تعلق به
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 135
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣٥