إذا لم يكن الحال حال إدراك ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لو أخبرنا عن مدركات معينة ، لفعلنا العلم بها ، وإنما لا يصح أن نفعل العلم بالمدركات ونحن مدركون لها ، لوجوب حصول العلم لنا باضطرار ، فيمتنع أن نفعله باكتساب عن نظر ، لأن العلم بالمدلول يمنع من النظر في الدليل ، طلبا للعلم ، فلذلك لا يمتنع عندنا وإن لم يعرفه الإنسان من نفسه ، أن يفعل العلم بالمدركات ، مقرونا إلى علمه الضرورىّ ، لكن ذلك لا يبين ، وليس له إلى فعله داع ، فيقل حصوله ، وذلك يبطل قولك إنه لا يصح منا أن نفعل العلم بالمدركات .
فإن قال : فيجب ألّا يكون للإدراك تأثير في العلم ، إن كان الأمر كما ذكرتم ، قيل له : لا تأثير له في صحة اتخاذه ، وله تأثير في نفسه قوى جلىّ « 1 » ، لأنه يجب كونه كذلك ، متى ضامّه الإدراك ، ولا يجب ذلك فيه متى لم يضامّه الإدراك ، وإنما نقول فيه : إنه طريق من طرق العلم ، على هذا الوجه ، لا لأنه لا يصح كونه علما إلا معه .
فإن قال : فيجب أن يجوزوا أن يفعل تعالى العلم بالمدرك ، فيمن لا يدرك البتة ، ولا يصح أن يدرك .
قيل له : قد ثبت أن ذلك جائز في القدرة ، وإن كان والحال هذه لا يجوز ، لأنه يجرى مجرى نقض العادات ، وذكرنا الخلاف بين الشيوخ فيه ، فلا وجه لإعادته .
وبعد ، فلو لم يجز أن يفعل تعالى بالمدرك إلّا مع كون العالم مدركا ، على بعض الوجوه ، وكان لا يمنع من أن يصح أن يفعل تعالى العلم بما ليس بمدرك فيه ، لأن ما لا يدرك أبعد في دخوله تحت الإدراك من المدرك ، بعد تقصّى إدراكه .
فإذا لم يمتنع فيما هذا حاله أن يفعل تعالى العلم به فيه ، فكذلك لا يمتنع من أن
هامش
( 1 ) في الأصل : قويا جليا ، وهو منصوب على الحال من النكرة ( تأثير ) .