قلتم ذلك ، لزمكم في هذا العاقل أن يكون مضرورا بالمنع ، وهذا يوجب أنه مكلف .
وبعد ، فإن الملجأ إلى ألا يفعل ما يقدر عليه ، ناقص الحال ، فهو كالمضطر إلى خلاف ما يقدر عليه ، فلو جاز أن يلجئ هذا العاقل ، لجاز أن يضطره إلى فعل الحسن ، وهذا يوجب التبعيض ، وثبوت التبعيض يوجب أن يكون ، وإلا كان تعالى مكلفا له ، أو جاعلا فيه ما يشق من غير نفع يستحقه ، وذلك في حكم الظلم يتعالى اللّه تعالى عنه ، فكل هذه الوجوه يمنع من صحة ما قدمتموه .
قيل له : إنه تعالى قادر على أن يضطر العاقل إلى جميع المعارف ، لأنه قد ثبت أنه قد اضطرنا إلى كثير منها ، كالعلم بالمدركات ، وسائر العلوم التي هي من كمال العقل ، كالعلم بقبح القبيح ، ووجوب الواجب ، والعلم بالعادات والمقاصد ، إلى غير ذلك ، وإذا [ ثبت « 1 » ] كونه قادرا على هذا النوع ، وقد ثبت أن كل جنس مقدور ، فالقديم تعالى قادر عليه ، وأن اختلاف الأجناس لا يؤثر في هذا الباب ، كما أن كل وجه يقع عليه المقدور ، فالقديم تعالى قادر على إحداثه عليه ، من غير تخصيص ، فإذا ثبت أن المعرفة باللّه تعالى مما يقدر عليها ، فواجب أن يكون اللّه تعالى قادرا على أمثالها ، وقد بينا صحة ذلك في أول الكتاب ، فإن قال : ومن أين أن في هذه العلوم ما يكون فعلا له تعالى ، أو يصح ذلك فيه ، وهلا قلتم إنها واقعة بالطبع أو عن الإدراك ، وأنه لا يصح وجودها إلا كذلك .
قيل له : قد بينا فساد القول بالطبع ، وبينا أن المدرك ليس بمدرك بإدراك ، فيقال إنه يوجب غيره ؛ وبينا أن علامة كونها فعلا له سبحانه ، قد حصلت من حيث لا يمكننا أن ننفيها عن أنفسنا على وجه ؛ فلا فرق
هامش
( 1 ) ( ثبت ) : ساقطة من الأصل ، ويقتضيها المقام .