وبعد ، فإن خلافنا لكم في الأصل ، لأنا نقول في العلم بالمدركات إنها ضرورية ، بأن يفعلها تعالى ، وإنما نريد بذلك أن العبد يوجبها بالإدراك ، الّذي هو سببه ، ولا يجوز عليه سبحانه أن يفعل بالأسباب ، لاستغنائه عنها ، ولأن وقوعها على غير هذا الحد يستحيل ، فإذا صح ذلك فسائر المعارف أيضا ، لا يكون إلا من فعلنا عن النظر ، وكما لا يصح في الأول أن يفعل إلا عن الإدراك ، فما عداه لا يصح أن يفعل إلا عن النظر .
ومنها : أنا لو سلمناه في المعرفة به أنها تصح أن تكون ضرورية ، لم يمنع ذلك من أنّ تكليف النظر لا ينافيها ، وما يتولد عنه من المعارف مثلها ، فالتكليف يصح مع ذلك ، ولا يمكن إثبات ذلك منعا في الحقيقة .
ومنها : أنه قد يصح من المعارف أن يبتدئ فيفعل مثل معرفته ، لأن الشيء لا يمنع من جنسه ، ولأن هذا أحد الوجوه التي لها يكون الاعتقاد علما ، فكيف يقال في العلوم الضرورية به تعالى ، إنها مانعة من تكليف المعرفة .
ومنها قولكم إنه قد اضطره إلى الشكر . وقد علمتم أنه إذا علم بغمه تعالى مفصلا ، لم يجب أن يكون مضطرا إلى الشكر ، وإذا لم يك مضطرا إليه ، لم يبق إلا أنه واجب عليه ، ولا يجوز أن يعلم وجوبه ولا يكون مكلفا لفعله .
ومنها قولكم إنه تعالى يلجئه إلى ألا يفعل القبيح بالإعلام ، وقد بينا / أنه تعالى لا يجوز أن يضطر إلى العلوم . وبعد ، فإن هذا الإعلام لا يخرجه من أن يكون قادرا على فعل القبيح ، عالما بأنه لو فعله لاستحق الذم ، وهذا يوجب أن يكون مكلفا ، إلا أن يقولوا إن إعلام المنع لو رام الفعل ، كنفس المنع وحصوله ، ومتى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 127
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٢٧