تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
ممن لا يقع القبيح منه ، فكيف يقال إنه إلى ذلك أقرب ؟ فإن قال : إنه تعالى مع العقل لو لم يكلفه ، ولم يكلف غيره من العقلاء ، ممن هو بمثل حاله ، لم يخل من أن يسوى في التفضل بينهم ، أو يفاضل ؛ وإن سوى بينهم في ذلك ، ولا بد في المعلوم من أنه لو كلفهم لآمنوا ، ويفاضل بين ثوابهم ، أو آمن بعضهم ، فذلك يقبح ؛ وإن فاضل بينهم « 1 » فذلك محاباة ، ولا يجوز أن يفعله القديم ، فلا بد إذا من أن يكلفهم . قيل له : هذا السؤال لا يختص بوجوب تكليف العاقل دون غيره ، لأنه إن لزم لزم في الجميع ، ويوجب أيضا على قائله أنه يجوز ألا يكلفهم ، بأن يعلم من حالهم أنهم يتساوون في استحقاق الثواب أو خلافه ، وفي مقدار ما يستحقون منهما . والجواب عنه / ظاهر ، وذلك لأنه تعالى يحسن منه أن يسوى في التفضل ، وإن كان المعلوم ما ذكرته ، لأن ما لم يقع لا حكم له ، ولذلك أنكرنا تعليل الحشوية « 2 » في تعذيب أطفال المشركين ، بأنه تعالى قد علم أنهم يكفرون لو كلفهم ، فحسن تعذيبهم . وفي ذلك إسقاط ما ذكرته من اعتبار حالهم في المستقبل ، فيجب أن يكون ذلك غير معتد به ، وأن يحسن منه تعالى أن يسوى بينهم في التفضل ، على أنه تعالى يحسن منه أن يفاضل بينهم فيه ، ولا يكون محاباة ، لأن المحاباة إن أريد به هذا المعنى ، فغير قبيح ، بل هو جائز عليه تعالى ، وإن لم يسمّ بذلك ؛ وإنما لا تجوز عليه المحاباة ، إذا أريد به أنه يحبو غيره ، لكن يحبوه « 3 » ، لأن معنى الإنعام لا يجوز عليه تعالى ؛ وعلى هذا الوجه جوزنا في المثابين أن يفاضل تعالى بينهم ، فيما يتفضل
هامش
( 1 ) بينهم : جاء في الأصل : « بينكم » بضمير المخاطبين ، والسياق يقتضي « بينهم » بضمير الغائبين . ( 2 ) في الأصل : « الحشو » . والحشوية : طائفة من المبتدعة ، كما في ( تاج العروس : حشا ) . ( 3 ) كذا في الأصل : يريد أنه تعالى يحبوه ويحبو غيره . ولعل الصواب : أنه تعالى يحبو غيره لكن لا يحبوه هو .