تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
فأما الإمراح « 1 » فإنما يجب فيمن يجب أن يكلف فلا يكلف ، فأما إذا كان الواجب فيه ألّا يكلف ، وكان وقوع القبيح ميئوسا منه ، لم يجب ، بألّا يكلف الإمراح . وبذلك فالمهمل إنما يوصف بذلك ، إذا خلى بين من أهمله وبين فعل ما يضره ، أو خلاه والقبيح ، ولم يمنعه منه بضرب من المنع . وأما إذا كان قد منعه ، فلا يجب الإهمال . يبين ذلك أن الإلجاء في ألّا يقع منه القبيح آكد من التكليف ، فإذا كان لو كلفه لم يجب أن يكون مهملا له ، فبألّا يجب ذلك مع الإلجاء أولى . فأما قولهم إن من هذا حاله لا ينفك من القبيح ، فبعيد ، لأنه قد جعل بحيث لا يقع منه القبيح ، فكيف لا ينفك منه ؟ فإن قال : لأنه إذا لم يكلف مع العقل المعرفة ، لم ينفك من شك أو جهل ، قيل له : قد بينا في باب المعرفة : أن الشك يفارق الجهل ، وأنه يحسن فيما لا يمكنه أن يعرفه ، بل يجب ذلك عليه ، وبينا أنه لا بد من الإقرار بذلك للمخالف ، لأنه في ابتداء حال تكليفه ، لا بد من كونه شاكا ، فلو قبح لأدى إلى ألا يمكنه أن ينفك من القبيح ، وهذا يوجب قبح كل تكليف . وبينا أن الشك ليس بمعنى وأن القادر قد يخلو من المتضادات وذلك يسقط ما سأل عنه ، فأما صرفه عن القبيح ، فقد بينا أنه مع الإلجاء ، قد صرف بأقوى وجوه الصرف ، وأنه أقوى من الصرف بالتكليف ، لأن مع التكليف قد يقع منه القبيح ، ومع الإلجاء لا يقع ، وهذا يبطل أيضا ما ذكره ، من أنه مع العقل قد جعل أقرب إلى أن يفعل القبيح ، إذا لم يكلف ، لأنه إذا ألجئ إلى ألا يفعله ، فقد جعل
هامش
( 1 ) الإمراح : كذا في الأصل ، بدون نقط على الحروف ، ولا أدرى ما المراد به عند المعتزلة . ولعلهم يقصدون بهذا الاصطلاح : تعطيل العاقل وإهماله دون تكليف . وإذا صح لفظه فلعله مأخوذ من الأرض الممراح ، وهي التي تعطلت فلم تخرج نباتها في بعض السنين . قال الأصمعي : الممراح من الأرض : التي حالت سنة ، فلم تمرح بنباتها ( اللسان : مرح ) .