تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
الإغراء فإنما يجب فيمن يبعث على القبيح ، ويقوى دواعيه إليه . فأما إذا منع من القبيح أو ألجئ إلى ألّا يفعله ، فالإغراء زائل ، لأنه مع هذه الحال لا يجوز أن يقع القبيح منه ، والّذي جوّزنا ألا يكلّف هو العاقل ، الّذي قد أغناه اللّه عن القبيح ، ولم يحوجه إليه ، وصرف عنه تقدير الحاجة ، وجعله / ملجأ إلى ما يلتذ به ، فلا يقع منه سواه . ومن هذا حاله لا يوصف بالإغراء ، مع أنه قد يجعل ممن لا يجوز منه قبيح البتة . فإن قال : هو مع الإلجاء قادر على أن يفعل القبيح ، فالإغراء يصح فيه . قيل له : لا يجب في كل ما يقدر عليه ، أن يجوز أن يفعله ، ومتى كان ملجأ إلى ألا يفعل القبيح ، لم يجز أن يقع منه ، كما لا يجوز مع سلامة الأحوال أن يقع منه الإضرار بنفسه . فإن قال : أفتقولون في هذا العاقل إنه ملجأ ، من جعل مستغنيا عن القبيح ؟ قيل له : إذا كان يعلم في القبيح أنه لو وقع للحقته مضرة ، من ذم أو غيره ، فهو ملجأ إلى ألّا يفعله ، فلذلك قلنا : إنه تعالى لغناه وعلمه لا يفعل القبيح ، ولم نجوز عليه الإلجاء ، لاستحالة المضارّ عليه ، وكل ذلك يسقط ما تعلق به من ذكر الإغراء . فأما ما « 1 » تقوله فيمن يجب أن يكلف ، وهو الّذي جعله اللّه محتاجا إلى القبيح ، ولم يغنه عنه ، ولا ألجأه بوجه آخر إلى ألّا يفعله ، وشهّاه إليه ، فمعلوم من حاله أنه متى لم يكلّف ، فيمنع من فعل القبيح ، بالتخويف من العقاب ، والترغيب في الثواب ، يكون إلى فعله أقرب ، فلا بد فيمن جعله كذلك ، من أن يكون مكلّفا ، له مجانبة القبيح ، أو مغريا له بفعله ، فإذا كان الإغراء لا يجوز عليه تعالى ، على هذا الوجه ، وجب أن يكلف من هذا حاله ، ولا يتأتى ذلك في العاقل ، الّذي قدمنا ذكره .
هامش
( 1 ) ( ما ) : ساقطة من الأصل .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 123 | القاضي عبد الجبار الهمذاني