تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
إنما يعلم بأن يعرف حدوث النعم ، وأن المحدث لا بد له من محدث ، من حيث كان محدثا ، وطريقة الاستدلال وما هذا حاله ، لا يعد من كمال العقل . وقد بينا في باب المعرفة ، أنه لو عرف لم يلزمه الشكر ، إلا إذا عرف المنعم ، وأنه قد يجوز ألا يعرفه ولا يعرف في الواقع أنه نعمة ، مع كمال عقله ؛ وبيّنا أنه متى علم ذلك على حدوثه ، لزمه أن يشكر على هذا الحد ، وإذا علمه على التفصيل ، لزمه الشكر على التفصيل ؛ وقد بيّنا هنا أن العاقل المخلّى بينه وبين الفعل ، كان المعلوم أنه يشك في ذلك ، وأن عليه في الشك كلفة ، فواجب أن يكلّف ، لأن حالتة حالة المحتاج ؛ وإنما يجوز في العاقل ألا يكلفه ، متى أغناه اللّه تعالى بالحسن عن القبيح ، وأعطاه من المعرفة ما لا يكون معه محتاجا ، ولا مقدّرا لحاجة ، ولا تلحقه ، ولا تقدير مشقة . فإذا كان مع كمال عقله يصح فقد هذه الأحوال عنه ، فكيف يجب أن يكون مكلفا ؟ فإن قال : إنه مع كمال عقله ، لو لم يكلّف ، لوجب أن يكون تعالى مبيحا له القبيح الّذي يشتهيه ، أو مبيحا له الجهل به وبنعمه ، وأن يكون مغريا له بذلك إن لم يكن مبيحا ، كما تقولون فيمن توجبون تكليفه ، أو يوجب أنه تعالى قد « 1 » . . . . وأهمله ، أو يوجب أنه سبحانه قد جعله بحيث لا ينفك من القبيح ، وأن يكون تعالى مع تمكينه إياه من القبيح لم يصرفه عنه ، أو أن يكون جاعلا له إلى فعل القبيح أقرب . وكل ذلك مما لا يجوز على الحكيم . قيل له : قد بيّنا في باب المعرفة ، أنه لا يجب أن يكون مبيحا للجهل ، بألا يكلف المعرفة . ودللنا على أن الإباحة في القبيح لا تصح ، فإنه لو قال تعالى للعبد : لا ضرر عليك في فعل الجهل ، لم يكن مبيحا له ، وفصلنا بين ذلك وبين إذن الرجل لغيره في دخول داره « 2 » ، فلا معنى لإعادة ذلك . فسقط ما ذكرته أولا ، فأما
هامش
( 1 ) بياض في الأصل بمقدار كلمة . ولعلها « خلاه » . ويشهد لهذا اللفظ كلامه الآتي في الإمراح . ( 2 ) في الأصل « حاره » . تحريف .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 122 | القاضي عبد الجبار الهمذاني