فصل في أن تكليف العاقل لا يجب من حيث حصل عاقلا له
قد بينا أنه يحسن منه تعالى أن يخلقه حيّا مشتهيا وينفعه ، فيكون محسنا إليه ، ولا يكون بذلك عابثا ، لدخول فعله في كونه إحسانا ؛ وقد علمنا أن كونه إحسانا لا يتغير بأن يجعله عاقلا ، فيجب أن يحسن منه تعالى جعله كذلك ، وإن لم يكلفه .
فإن قال : من حق العاقل أن يعرف موقع النعمة عليه ، فيلزمه الشكر ، وذلك يقتضي التكليف .
قيل له : قد يجوز أن يكون عاقلا ، وعالما باللذات ، ومفارقتها لغيرها ، ولا يخطر بباله كونها فعلا لفاعل ، ونعمة من منعم ، فلا يلزمه الشكر ، فلا يكون مكلّفا .
فإن قال : إذا شاهد آثار النعم ، وتجددها وتغير الأحوال فيها ، فلا بد من أن يخطر له الحال في صانعها ، كما لا بد من ذلك فيما شاهده من كتابة الكاتب وغيرها .
قيل له : قد يجوز أن يخطر ذلك له ، فيبقى شاكا ، ولا يعتقد في النعمة وصانعها شيئا ، كما قد يجوز مثله في الأمور التي تحدث ولا غرض لنا فيها .
وبعد ، فلو كان لا بد مما ذكرته ، كان لا يمتنع أن يصرفه تعالى عن هذا الخاطر والفكر ، فلا يجب أن يكون مكلفا من حيث كان عاقلا .
فإن قال : إن ذلك من كمال العقل ، فلو صرف عنه لم يكن عاقلا .
قيل له : ليس من كمال العقل العلم بالنعمة والمنعم ، الّذي هو القديم ، لأن ذلك