إنها مكلفة لمثل هذه العلة .
وبعد ، فإن موقع الإنعام إن لم يحصل إلا بالألم ، فما الّذي يمنع من أن يفعل تعالى اليسير منه ، ولا يكون الحي مكلفا .
فإن قال : لأنه لا يحسن إلا الاعتبار ، لأنه قد حصل فيه ما خرج به من أن يكون عبثا ، وهو تأثيره في الإنعام ، وجعله بالمنزلة العظيمة التي ذكرتها .
وبعد ، فإن هذا الباب إنما يصح أن نذكره في العاقل الّذي يعرف مواقع الإنعام ، ونحن ألزمناك أنه يحسن منه تعالى خلق حي مشته منعم عليه ، من غير معرفة بالنعم البتة . وإذا جاز ألا يعرفها أصلا ، جاز ألا يعرف عظم موقعها .
فإن قال : يجب عليه تعالى أن يكلفه ، لأنه يجوز أن يكون في معلومه أنه لو كلفه لأمن .
قيل له : ليس في ذلك أكثر من أن يوجب أمرا ، لأنه يوصل إلى منافع عظيمة . وقد بينا أن نفس المنافع لا تكون واجبة من حيث كانت منافع ، فما يوصل إليها بألّا يجب أولى .
فإن قال : فيجب على هذا ألا يلزم المكلّف فعل الواجبات ، ليصل بها إلى الثواب .
قيل له : لسنا نقول إن وجه وجوبها الوصول بها إلى المنافع ، لأن النوافل قد توصل بها إلى ذلك ، ولا تكون واجبة ، وذلك يسقط ما ذكرته .
فإن قال : إن لم يجب عليه تعالى أن يكلف من يعلم أنه يؤمن ، فيجب ألا يلزم تكليف من يعلم أن غيره من المكلفين يؤمن عنده .
قيل له : قد بيّنا فيما هذا حاله ، أنه قد لا يكون واجبا إذا لم يتقدم تكليف غيره ، فأما إذا تقدم ، فهو كالتمكين ، على ما بيناه في باب اللّطف . وليس كذلك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 119
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١١٩