وقد بينا ذلك من قبل ، ولا يمتنع أن يخلقها تعالى مع فقد العقل ، ولا يكلف المشتهى الامتناع ، لأنه لا يلحقه الذم بالقبيح ، ولا يمتنع أن يصرفه عن فعل القبيح بضرب من الصرف ، وهو أن يعينه بما يشتهيه من الحسن ، فلا يعرض له القبيح . ويجوز ألّا يحدث في العالم ما هو قبيح ، بل يمنع غيره من القادرين من إحداثه ، فلا يكون هناك ما تتعلق الشهوة به . ويجوز أن تتعلق الشهوة بالقبيح ، الّذي لا مأثم في إدراكه ، كالأصوات وما حل محلها ، لأن المدرك لذلك في حكم المضطر إليه ، فلا يكون فاعلا لقبيح ، فإذا صح وجودها على هذه الوجوه ، فمن أين أنها إنما تحسن بمفارقة التكليف ؟
فإن قال : لأنها لا تحسن إلا مع كمال العقل ، ولا يجوز اجتماعهما على وجه يحسن إلا مع التكليف .
قيل له : لو كان مفارقة العقل تبقى قبحها لقبحت شهوة البهائم ، وقد بينا فساد ذلك .
وبعد ، فإذا صح منه تعالى أن يمكّن هذا الحي مما يشتهيه من الحسن ، حتى يستغنى به عن القبيح ، فقد صار تعلقه به كلا تعلق ، فيجب ألا تكون قبيحة :
قارنها العقل أو لم يقارنها ، لأن العقل إنما يحتاج إليه ، ليعرف المشتهى القبيح ، الّذي يشتهيه ويميزه من غيره ، فينصرف عنه ، فإذا انصرف عنه بالوجه الّذي ذكرناه مع فقد العقل ، فالعقل مستغن عنه . وقد بيّنا أن في المدركات ما لا يصح أن يقع إلا من فعله سبحانه ، فلا يحدث منه إلا الحسن ، فيجوز أن يجعله تعالى مشتهيا له ، دون ما عداه ، فلا يحصل في هذا الحي شهوة القبيح البتة ، وفي ذلك سقوط ما سأل عنه .
فإن قال : إذا لم يحسن أن يخلقه حيا مشتهيا إلا لينفعه ، فهو إذن منعم عليه ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 117
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١١٧