فإن قال : بالتكليف يصير ما فعل واقعا على وجهين في باب الإنعام ، فلو لم يكلّف لكان في حكم العابث ، كما تقولون إنه سبحانه لو خلق المآكل ليعتبر بها ، ولا ينتفع بتناولها ، لكان في حكم العابث .
قيل له : إن التكليف لا يقع به خلق العبد على / وجه مخصوص ، وإنما هو أمر زائد ، يحدثه تعالى ، ويفعل ما يكون شرطا فيه ، ليتميز به المكلف من البهيمة ، وما هذا حاله لا يكون وجها للفعل الأول ، بل يكون فعلا مستأنفا ، ففارق حاله ما سألت عنه من المباحات التي للاعتبار ، والانتفاع فيها يرجع إلى حدوثها على وجه واحد .
فإن قال : هلا قلتم بوجوبه من حيث يحسن خلق الحي لأجله ، ولولاه لما حسن ، وذلك لأنه سبحانه لا يحسن أن يخلقه حيا إلا ويجعله مشتهيا ، ومن حق الشهوة أن تتعلق بالقبيح والحسن ، فلو لم يكلف مفارقة القبيح ، لكان خلقه لها قبيحا ، فوجب أن يكلفه من هذا الوجه .
قيل له : لو كان انفراد الشهوة عن التكليف يوجب قبحها ، لوجب قبح ما يخلقه تعالى من الشهوات في البهائم والأطفال .
فإن قال : إنما لا يحسن لأمر يرجع إلى المكلفين ، من حيث تعبدوا في البهائم بمنعها مما تشتهيه من القبائح ، ليكونوا عن فعل ذلك أبعد ، فلولا التكليف لما حسن ذلك أيضا .
قيل له : لا يخرج ما أوردته من صحة ما ذكرناه ، لا بل بالسؤال أو همت أنها تقبح من حيث تعلقت بالقبيح ، وانفردت عن المنع بالتكليف ، فأريناك ما هذا حاله ولا يقبح ، ولو كان هذا الوجه يوجب قبحها ، لما جاز أن يحسن في البهائم وإن قاربها ما ذكرته .
وبعد ، فإن شهوة القبيح لا تقبح لتعلقها بالقبيح ، فهي كالعلم والخبر لا كالإرادة ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 116
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١١٦