في وجوب الخلق أو حسنه ، لم يصح منك الاعتراض بما يقدح في الأمرين . وقد بينا من قبل أن الداعي إلى الفعل إذا كان كونه حسنا وإحسانا ، فغير واجب فيه التعميم ، وإذا كان وجوبه فكمثل ، إلا في الفاعل الّذي ثبت أنه لا يجوز ألّا يفعل ما وجب عليه . وقد بينا في غير موضع أن الداعي إلى فعل متى حصل في آخر ، فغير واجب أن يفعله الفاعل ، وإنما يجب ذلك متى استبد الثاني بما يقتضي في فاعله أن يكون فاعلا له ، لا لأجل مشاركته للأول في الداعي ، وبينا أن الوقت والأوقات لا تختلف في ذلك ، وأن الترك قد يخالف الفعل في بعض الوجوه ، وفي ذلك إسقاط ما سأل عنه ، وما يجب من فعل الخلق عليه تعالى ، لأنه مصلحة في تكليف ، مكلف ، لا يقدح في هذا الباب ، لأنه قد ثبت فيه وجه وجوب ، على ما بيناه في باب اللطف ، كما ثبت وجه الوجوب في إعادة المثاب وإثابته ، وليس كذلك الحال في مبتدأ الخلق ، فيجب ألا يكون إلا تفضلا وإحسانا ، وألّا يدخل في باب الوجوب على وجه .
فصل في أن التكليف المبتدأ غير واجب
وقد بينا من قبل أن الصلاح والأصلح إذا لم يتعلق بالدّين غير واجب ، ولو وجب التكليف في الابتداء ، لم يكن يجب إلا بهذا ، الطريقة ، لأنه وإن لم يكن نفعا ، فهو تعريض للنفع العظيم ، على ما بيناه من قبل ، فإذا لم يصح وجوبه من هذا الوجه ، فيجب ألّا يكون واجبا أصلا .
فإن قيل : ثم هلا قلتم بوجوبه لأنه أكمل في باب الإنعام ؟
قيل له : قد بينا أن الإنعام غير واجب فيما يصير به كاملا وعظيما بمنزلته .