قيل : إنما يجب ذلك فيمن استحق على اللّه سبحانه بطاعته ثوابا ، أو بالآلام عوضا ؛ فأما إذا لم يكن كذلك ، فالإعادة غير واجبة في ابتداء الخلق .
لا يصح هذا الوجه ، فيجب القضاء بكونه فضلا وإحسانا ، وأن يكون كإعادة من لا يستحق ثوابا ولا عوضا .
فإن قال : إن صح ذلك ، فيجب تجويز ما ذهب إليه من خالف الإسلام ، من أن إثبات المعاد غير واجب .
قيل له : إنما أنكرنا قولهم لما نفوه وحال الخلق في التكليف ما هو عليه ، لأنه لا بد من معاد تقع فيه المجازاة ، فأما إذا قال القائل بأنه غير واجب إثبات المعاد ، لو لم يخلق القديم تعالى الخلق ولم يكلف ، فذلك صحيح ، وقد كان يصح عندنا أن يخلق تعالى الخلق في جنة ، ولا يكلفهم ، أو في الدنيا ولا يكلفهم ، ويزيل الأمور الموجبة لتكليفهم ، فكان لا يجب إثبات المعاد . وإذا جاز أن يثبت تعالى موجودا ما ، لو كان هناك ، أوقات كان لا نهاية له ، ولا فعل يفعله ، ولم يتغير حاله فيما يستحقه من الصفات الذاتية ، ولا أوجب ذلك خروجا عن الحكمة ، فما الّذي يمنع أن يثبت كذلك في سائر الأوقات ، وتكون الحال هذه ؟
فإن قال : إذا خلق تعالى الخلق ، فلو لم يكن ذلك واجبا ، وإنما يخلقه لكونه نعمة وإحسانا وحسنا ، لوجب أن يخلق ما لا نهاية له ، وألا يكون حال خلقه بأن يخلق أول من قبل .
قيل له : إن هذه المسألة لازمة لك ، إذا قلت بوجوب الخلق ، فإن قال : فإذا لزمتنا جميعا فما الجواب ؟
قيل له : إنما أردنا أن نبين أنها مسألة من يقول بقدم العالم ، وأن الفاعل لا يفارق فعله ، أو من يقول بالطبع وغيره ، فإذا اتفقنا على فساد ذلك ، واختلفنا
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 114
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١١٤