وأما المعرفة بالصانع ، فإنما تجب متى خلق اللّه الخلق على وجوه مخصوصة ، والكلام في : هل يجب ذلك أو لا يجب . فلا يصح أن يجعل وجه وجوبه ما لا يثبت إلا بعده .
وبعد ، فإن الّذي ذكره يقتضي وجوب التكليف ، لا وجوب الخلق المبتدأ ، ونحن نبين القول في ذلك من بعد .
فإن قال : إذا لم تتم معرفة الصانع إلا بالتكليف ، ولا يتم هذا إلا بابتداء الخلق ، فيجب الابتداء .
قيل له : قد كان يصح ما ذكرته من الترتيب ، لو ثبت وجوب المعرفة ، وذلك إنما يجب متى حصل العبد مخلوقا على وجه مخصوص ، فمتى خلق لا على ذلك الوجه ، لم يجب على ما فصلناه من قبل ؛ فالتعلق لا على ذلك الوجه لم يجب ، على ما فصلناه من قبل ، فالتعلق بما ذكرته لا يصح .
فإن قال : فيجب على قولكم جواز ألا يخلق تعالى أحدا أبدا ، وإن كان في كونه قادرا عالما إلها ، على ما هو عليه .
قيل له : قد كان يجوز ذلك عندنا ، ولا يؤثر ذلك في صفاته ، لأن كونه قادرا ، لا يوجب الفعل ، ولا سائر ما هو عليه ، وكونه غير فاعل ، لا يقتضي خروجه عن الحكمة ، لكنا قد علمنا بما ثبت من خلقه وتكليفه ، أن الحال بخلاف ما قدرت .
فإن قال : فقد قلتم إن الغريق إذا بذل لمن يخلصه قطع يده ، ويمكنه تخليصه من دون ذلك ، إنه يقبح منه ، لما فيه من حرمان الشكر وزواله ، فإذا كان تعالى متى لم يخلق الخلق ، وجب زوال شكره ، فيجب أن يكون ذلك واجبا .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 112
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١١٢