فإن قالوا : يجب لأنه إنعام ، فقد بيّنا أن ذلك وجه حسن ، لا وجه وجوب .
وإن كان الإنعام لا يرجع إلى نفس الخلق ، وإنما يرجع إلى مقارنة الحياة وغيرها ، مما يصح التنعم عندها ، لكنه إذن لا يتم إلا بخلق نفس الحي ، صار خلقه تعالى إياه إنعاما ، كخلقه سائر ما ذكرناه .
فإن قال : يجب ذلك عليه تعالى ، لما فيه من إظهار نعمه وأياديه ، ويقبح من الحكيم إذا تمكن من ذلك أن يعدل عنه .
قيل / له : هذا موضع الخلاف ، وإنما يحسن ذلك ، ويدخل في كونه إحسانا وفضلا . فأما أن يقبح العدول عنه فبعيد ، لأنه لا فعل يشار إليه ، يقال فيه إنه يقبح من حيث كان تركا لهذا الفعل ، فيجعل قبحه طريقا لمعرفة ما ذكرناه .
فإن قال : وإن لم يمكن الإشارة إلى ما ذكرتم ، فالمتقرر في العقول ، أن المتمكن من إظهار نعمه وأياديه ، من دون مشقة ومضرة ، إذا لم يفعل ذلك يستحق الذم .
قيل له : هذا هو الّذي دللنا على بطلانه بالأدلة المتقدمة ، وبينا أن هذه العلة توجب إيجاب ما لا يتناهى ، إذا اشترك الجميع في أنه من باب الإنعام والإفضال .
فإن قال : إن لإظهار الإنعام والأيادى في أول الأمر ، مزية ، لأنه به يعرف الصانع وحكمته ، وموقع شكره ، فإذا فعل البعض من ذلك ، فبألّا يفعل ما عداه ، لا يتغير المعلوم من حاله ، فلذلك قلت بوجوب ابتداء الخلق .
قيل له : إذا كان ما لأجله حكمت بوجوبه موجودا في الزيادة ، فيجب أن تكون واجبة ، وفي هذا إيجاب ما لا نهاية له ، يبيّن ذلك أن الزيادة تقتضى زيادة شكر ، ولو كانت المبتدأ بها ، لحلت محل المزيد ، فلم يجب الجمع بينهما . وفي هذا ما قدمناه من إيجاب ما لا نهاية له .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 111
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١١١