وبعد ، فإن الّذي أشرت إليه من الصلاح ، يتعلق بالخبر والوعيد ، لا بنفس العقاب ، والواجب على قضية قولك ، أن تقول بأنه تعالى يفعل هذا الخبر والوعيد ، لما للمطيعين فيه من الصلاح / وأن يفعل الغفران والتفضل ، لما للمعاقب فيه من الصلاح .
فإن قلت : إن ذلك يوجب أن يفعل تعالى الكذب والقبيح ، فمذهبك وقولك أدى إليه ، فهو لازم لك ، وكل ما كان اللازم لك أدخل في باب الإحالة وفي باب القبح ، فمذهبك أولى بالفساد .
فإن قال : إن انتفاع المكلفين بالخبر والوعيد ، لا يتم إلا مع وجود العقاب منه تعالى ، لأنهم متى جوّزوا ألّا يعاقب ، لم يقع لهم الصلاح بالوعيد ، وإنما يكون زجرا لهم متى قطعوا على أنه صدق ، فإذا كان كذلك ، صار وجود العقاب من تمام كون الوعيد مصلحة . وقد بيّنا أنه مصلحة لجميع المكلّفين ، فيجب أن يفعله تعالى ، وأن يفعل ما لا يتم إلا به من العقاب .
قيل له : إن كل ذلك لا يخرج الغفران والتفضل من أن يكون أصلح للمعاقب خاصة ، فيجب أن يلزم القديم فعله ، وإن كان لا يتم إلا بترك الوعيد ، فيجب ألّا يتوعد ، وإن كان التكليف لا يتم إلا بالوعيد . فيجب ألّا يكلّف وإن كان الخلق لا يتم إلا بالتكليف ، فيجب ألّا يخلق ، وكل ذلك لازم لك على قولك .
وقد بيّنا فيما قبل ، أن الّذي يقدح في كون النفع صلاحا لزيد ، هو الضرر الواصل إليه دون غيره ، والّذي يؤثر في كون الضرر ضررا له في الحقيقة ، هو النفع الواصل إليه دون غيره ، وأن الواصل إلى غيره لا تعلّق له بما يصل إليه ، ولذلك لم يجز منه تعالى أن يكلف زيدا لينفع عمرا ، ولا يحسن في هذا الشاهد أن يلزم الأخير المشقة ، لينفع غيره ، وإنما يحسن ذلك لنفعه . فإذا صحت هذه الجملة ، على ما شرحناها
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 109
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠٩