تقدم الخبر ، لأنا قد بيّنا أن وجه الانتفاع به لا يصح إلا في حال التكليف ، والّذي ألزمنا القول ، وجوب الغفران في حال زوال التكليف ، وقد علمنا أن في هذه الحال لا يمكن أن يقال : إن تجويز الحلف والكذب في خبره يكون فسادا ، لأن ذلك إنما يكون في حال التكليف ، فأما إذا زال ، فحاله في أنه لا يكون فسادا ، بمنزلته لو وجد الخبر منه ولا مكلّف أصلا ، وما هذا حاله لا يكون فسادا في الحقيقة ، وإنما يجوز أن يقدّر فيه ، فيقال : إنه يكون فسادا في التدبير لو ضامّه التكليف ، على ما تقدم شرحنا له .
وبعد ، فقد صح أن الغفران والتفضل هما الأصلح ، كما ثبت أن الكذب في خبره هو فساد ، فلم صاروا بأن يقولوا إنه تعالى لا يفعل الواجب الّذي ذكرناه ، لكيلا يكون خبره كذبا وفسادا ، بأولى من أن يقال لهم : إنه تعالى يجب ألّا يفعل الخبر ، لكي يصح أن يفعل الغفران والتفضل ، ولم صار كون خبره كذبا إذا كان مفسدة يجوز لأجله ألّا يفعل الغفران ، بأولى من أن يقال : إن تركه فعل الأصلح هو الفساد ، فيجب أن يفعل الغفران ، لأنه لو لم يفعله كان مفسدة ، لأنه قد ثبت أن الإخلال بالواجب ، في أنه فساد في التدبير ، بمنزلة فعل القبيح .
فإن قال : إن فعل العقاب هو الأصلح ، من حيث تقدّمه الوعيد ، الّذي هو زجر لسائر المكلفين ، فحصل لجميعهم الانتفاع به في حال التكليف ، فصار النفع به أكثر وأعم ، فيجب أن يكون أصلح وأصوب من الغفران والتفضل .
قيل له : إن ذلك يوجب كونه أصلح لغير هذا المعاقب ، ولا يخرج الغفران والتفضل فيه ، من أن يكون أصلح من العقوبة ، ويجب على القديم تعالى عندك فعل الأصلح بكل واحد من خلقه ، فيجب على هذا ألا يقدح ما أوردته فيما ألزمناك .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 108
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠٨