تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
فإن قال : قد يقترن بالمشقة ما يوجب كونه أصلح ، وإن تقدمه كتقدم الآخر على المشقة في الأخير . قيل له : وهذا مما لا يمتنع منه ، لأن تلك المشقة تفعل لأجل المنفعة التي هي أعظم منها ، فتحسن ، وليس كذلك حال العقاب ، لأنه لم يتقدر فيه ما يخرج لأجله من أن يكون ضررا ، بل لا يصح ذلك فيه ، لأنه دائم ، فلا يجوز أن يكافئه منافع تتقدمه ، فضلا عن أن توفى عليه . فإن قال : إنما قلنا إنه أصلح ، لأمر يرجع إلى أنه تعالى لما توعّد به ، وخبر بأنه يفعله بالعاصي ، على طريق الزجر ، كان نفعا للمكلف ، وخلافه ضررا وفسادا ، لأنه يقتضي كونه تعالى كاذبا فيما أخبر به ، وذلك يوجب ألّا يوثق بأخباره ، ولا بشيء من أفعاله . قيل له : إذا كنت إنما تجعل العقوبة أصلح ، لأجل الخبر المتقدم ، فقد اعترفت بأنه لولا الخبر لكان الغفران أصلح ، وإذا صح ذلك ، فقد كان يجب ألّا يخبر تعالى بذلك ، ليتم منه فعل الأصلح بهذا العبد ، لأنه قد صار فقد الخبر والوعيد في أن عنده يتم فعل الأصلح به ، بمنزلة خلقه ، فكما نقول بوجوب خلق المكلف ، ليصح أن يفعل به الأصلح ، الّذي هو الغفران والتفضّل ، وهذا يوجب عليهم القول بأن الغفران والتفضل هو الواجب في المعاقب ، ويوجب مع ذلك عليهم أن يقبح من اللّه تعالى أن يخبر بالوعيد ، فقد كنا أفسدنا قولهم بأمر واحد ، وقد لزمهم الآن كلا الأمرين . وبعد ، فإن الخبر وإن سلمنا انتفاع هذا الكافر به ، في حال التكليف ، فقد علمنا أنه لا منفعة له فيه في حال زوال التكليف . فيجب على هذه القضية أن يكون الأصلح له وقد زال التكليف ، للغفران والتفضل ، وألّا يقدح في ذلك