دليل آخر : ذكره جماعة الشيوخ ، وهو أنهم قالوا : لو وجب عليه تعالى أن يفعل الأصلح ، على ما قاله القوم ، لوجب عليه أن يعفو عمن يستحق العقاب ، ويغفر له ، وأن يتفضل عليه بالنعيم ، لأن ذلك أصلح له من أن يعاقب بالعذاب الدائم .
وقد ثبت أنه تعالى يعاقب الكفار والفساق ، ولا يغفر لهم ، وذلك يبين فساد مذهب القوم .
وهذه الدلالة حملت القوم على أن ارتكبوا أن العقاب أصلح من العفو ، والتفضل بالنعيم ، واختلفت عبارتهم في ذلك ، فمنهم من يقول : هو أصلح ، من غير إضافة . ومنهم من يقول : هو أصلح للمعاقب . ومنهم من يقول : هو أصلح لغيره وإن لم يكن أصلح له . ومنهم من يقول : هو أعم صلاحا من الغفران .
فبين شيوخنا رحمهم اللّه ، أن القول بأن إنزال العقاب بهم على الدوام أصلح من الغفران ، والتفضل بالنعيم الدائم ، مكابرة ، وأنه بمنزلة من يقول : إن العقاب لأهل الجنة أصلح من الثواب ، وأن الثواب ليس بأصلح لهم . وهذا الباب مما لا تسوغ فيه المناظرة ، فتكلم القوم فيه ، وفي بيان صحيحه من سقيمه ، لأنه بمنزلة من يقول :
إن الألم الخالص أصلح لأحدنا من اللذة الخالصة . فإن قالوا : ليس العقاب عندنا أصلح من النعيم والغفران ، من حيث كان عقابا وألما ، لكن لأمر آخر يقترن به ، وذلك مما لا يمتنع عندكم ، لأن المشقة قد تكون أصلح من الراحة ، إذا كانت تؤدى إلى غيرها .
قيل له : إنا لا نمتنع في الألم والمضرة إذا أعقبا نفعا عظيما ، أنهما أصلح لمن ينزل بهما من الراحة والدّعة ، كما نقوله في الطاعات وغيرها ، لكن / ذلك لا يتم في العقاب ، لأنه دائم ، لا يجوز أن يؤدى إلى نفع ولذة ، فكيف يسوغ ما ذكرتموه ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 106
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠٦