يفعل بقدر حاجة المكلف . فإذا علم أن زيدا لا يطيع إلا عند أمور كبيرة ، فواجب أن يفعلها . وإذا علم في غيره أنه يطيع عند أمر واحد ، لزمه ذلك الأمر فقط ، لأن حاجتهما فيما كلّفا قد اختلفت ، فوجب على المكلّف أن يلطف لهما بحسب ذلك ، كما يجب أن يمكنهما ويعطيهما الآلات بحسب حاجتهما إليها في فعل ما كلفا . وعلى هذا الوجه قلنا : إن الوالد يلزمه في ولديه إذا لحقه الغم لحاجتهما ، أن يعطيهما بحسب غمه ، لأنه الوجه الّذي تجب لأجله العطية ، فإذا كان غمه بألّا يدفع إلى أحدهما ، أو لحاجته أكثر ، لزمه من الدفع ما يزول به ذلك . فكذلك يلزم القوم فيما قالوه من وجوب الأصلح .
دليل آخر : ذكره شيخانا رحمهما اللّه ، وهو أن الأصلح لو وجب على ما قالوه ، لوجب علينا ، ولو وجب ذلك ، لوجب فيمن تركه وأخلّ به ، أن يستحق الذم والعقاب ، وألّا يمتنع أن يعظم ذلك ، فيصير فاسقا محبطا بذلك ثواب طاعاته .
وقد وافقنا القوم على بطلان ذلك ، لأنهم يقولون في تارك هذا الواجب : إنه لا يستحق به العقاب ، وفيهم من يقول لا يستحق به الذم ، وإنما يوصف من أخل به بأنه بخيل مقصّر .
وفيهم من يقول : إن العقاب وإن استحق به ، فقد تفضل تعالى بإسقاطه عنه ، إلى غير ذلك . ولو كان واجبا على الحقيقة ، لحل محل سائر الواجبات ، في أنه كان يجب فيمن لا يفعله أن يستحق الذم والعقاب ، وألّا يمتنع أن يعظم ذلك بحسب حال الواجب ، لأنه قد ثبت أنه يعظم بحسب مقدار العطية ، فكما يجب فيمن يلزمه دفع دينار إلى غيره أن يستحق من الذم والعقاب أكثر مما يستحقه من يلزمه دفع درهم ، فكذلك يجب مثله في الأصلح لو كان واجبا .
فإن قال : إن الواجب ضربان .
أحدهما : ما ذكرتم ، فلا بد من استحقاق الذم والعقوبة على الإخلال به .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 103
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠٣