وليصح إزاحة علة المكلف ، وليس كذلك قولهم ، لأنهم لم يوجبوه اختيارا « 1 » على غيره ، ولا تابعا لأمر سواه ، بل أوجبوه لأنه صلاح وأصلح ، ولزمهم إيجابه لهذا الوجه دون غيره ، وذلك يحقق ما ألزمهم رحمه اللّه في هذا الباب .
وقد استدل رحمه اللّه بهذه الطريقة على وجه آخر ، فقال : لو وجب الصلاح والأصلح على ما ذهب القوم إليه ، لوجب العطية على زيد بحسب حال المعطى ، فكان يجب إذا كان أحدهما أشد حاجة من الآخر ، أن يلزمه أكثر مما يلزم أن يدفع إلى الآخر ، حتى لو سوى بينهما ، لوجب كونه ظالما لأشدهما حاجة ، أو في حكم الظالم .
يبيّن ذلك أنه لو كان لأحدهما عليه من الدين أكثر مما للآخر ، للزمه فيما يملكه من الدينار ، أن يدفعه إليهما على قدر دينهما ، حتى لو سوى بينهما لكان ظالما ، وقد علمنا أن وجه وجوب الأصلح حاجة المعطى ، كما أن وجه قضاء الدّين ، ثبوت الدين ، فكما يجب في أحدهما أن يلزمه الدفع على قدره وبحسبه ، فكذلك في الآخر .
فإن قال : قد بينا أن العطية إذا كانت تضره ، والمنع ينفعه ، وهو من أهل المعاذير ، لم يلزمه الدفع أصلا ، فكيف يصح ما ذكرتم ؟
قيل له : قد بينا في جواب ذلك ، أن هذه الأمور لا يجوز أن تكون مقتصة « 2 » .
إن قال : الوجوب بأن يقتضي ثبوت الوجوب أولى ، وبينا أن ما يجب بلا مضرة لوجه معقول ، فقد يجب مع المضرة .
وبعد ، فإن القوم لا بد من أن يرجعوا في وجوب الأصلح إلى مثال في الشاهد ، وأي مثال ذكروه ؟
هامش
( 1 ) اختيارا : كتبت في الأصل : « احدرا » ، وهو تحريف .
( 2 ) مقتصة : كذا رسمت في الأصل ، ولكن من غير نقط على القاف والتاء ، ونظن أنها محرفة عن « مختصة » ، بإبدال الخاء قافا غلطا ناشئا من سماع الناسخ من المملى . يريد أن المسألة لا ينبغي أن تختلف فيها وجوه الاعتبار ، نظرا إلى الأحوال المختلفة .