تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
يكون في مكانين . كما يعلم ، عند علمه بوجود الأجسام وغيرها ، أنها يستحيل أن تكون موجودة معدومة ، وقديمة محدثة . لأنه يعلم ، أن كون الشيء على صفة وأنه ليس عليها ، محال ؛ وأن الشيء / موجود معدوم والموجود قديم محدث ، يؤول إلى ذلك . فيعلم ، باضطرار ، استحالته ؛ وان كان لا بدّ من تقدم العلم بحال الجسم والموجود ، وخطور حقائق هذه الصفات بباله . ولذلك لا يصح أن يشك في ذلك البتة . وهذه طريقة تفارق أكثر ما قدمناه ، في أنها ليست بطرق للعلم ، على الوجه الّذي ذكرناه في الادراك والاخبار . وقد يعلم العاقل ، بعد معرفته بمفارقة الكذب لغيره ، أن ما لا يقع فيه من ذلك ، ولا دفع مضرة ، فهو قبيح باضطرار . ويعلم ، بعد تقدم علمه بالآلام والغموم وما أدى إليهما ، أن الظلم قبيح باضطرار . وانما قلنا ، في هذين العلمين وما شاكلهما : انهما مما يقع ابتداء في العقلاء ، لا لأنها توجد ابتداء قبل العلم بالمدركات ، لكن لأن العلوم المتقدمة لا تكون طريقا لها ، على الوجه الّذي قد بيناه في الادراك وغيره . وقد بينا ، من قبل ، أن القبيح لا يكون قبيحا لنفسه ، كان جهلا أو غيره . فليس يمكن أن يقال : انه انما علم الكذب والظلم قبيحا ، لأنه أدركهما كذلك . ولأن ما نعلم بالادراك ، لا يكون الا مفصّلا . والعلم بقبح القبائح ، لا يكون الا مجملا ؛ فأين أحدهما من الآخر . والصوت والألم ، وان أدركا ، فإنهما يدركان على ما هما عليه في الذات ؛ وكونهما قبيحين ، انما يتعلق بأوصاف زائدة . وذلك يبين أن هذا العلم غير تابع للادراك ، وان كان لا بدّ من تقدمه على وجه مخصوص .