المحل ، فيجب أن يكون بهذه الصفة . وبهذه الطريقة ، نعلم أن العلم ، بقصد المخاطب والمشير ، ضروري ؛ لأنه لا يمكنه التصرف فيه على حد تصرفه مما يفعله . فأما قصده ، تعالى ، فلا يصح أن نعلمه في حال التكليف ، الا بدليل . لأن الطريق ، الّذي به يعلم قصد أحدنا ، لا يتأتى فيه . ولأن العلم بقصده ، يترتب على العلم بذاته . فإذا كان لا يعلم الا باكتساب ، فقصده بأن لا يعلم الا على هذا الوجه أولى .
فان قال : إذا كانت الإشارة / لا تدرك ، فكيف يعلم قصده عندها ؟
وكيف يساوى ذلك ، العلم بقصد المخاطب ، والخطاب مدرك ؟
قيل له : انه كما يجوز أن يعلم الشيء عند ادراكه لغيره ، فكذلك قد يعلمه عند علمه لغيره . فإذا كانت الأكوان معلومة ، لم يمتنع أن يعلم عندها القصد . ويجوز ، أيضا ، أن يجعل طريق معرفة القصد أنه يدرك المشير ، ويدرك العضو الّذي يشير به ، على وجه مخصوص ، فيعلم القصد عنده .
لأنه إذا جاز أن يعلم الشيء عند ادراك أمر ثان ، فغير ممتنع أن يعلم الشيء عند ادراك أمر ثالث . وإذا جاز أن يعلم المخبر . عنه ، عند ادراك أمور كثيرة ، فغير ممتنع أن يعلم قصد المشير عند ادراك محل الإشارة على وجه مخصوص . وقد يعلم ، عند الخطاب ، قصده ، إذا قرن به الإشارة ؛ وان كان ، لو تفرد عنها ، لم يعلم قصده .
وقد قال شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه : قد يعلم المخاطب قصد المخاطب بالإشارة ، وان لم يعرف اللغة ؛ وان كان العارف بها ، بأن يعرف قصده ، أولى . وقد بينا أنه يعلم ، عند ادراك المحل ، حاله في كونه متحركا أو ساكنا . وكما نعلم ذلك ، فقد نعلم عند ادراكه الجسم كونه متجاورا ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 64
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٦٤