يدرك بها الشيء على ما هو عليه لذاته ، ويعلم عند ذلك كونه موجودا .
لأن صحة الشيء لا ترجع إلى نفسه ، ولا لصفة النفس به تعلق . فكيف يقال : ان اجماعهم على صحة ذلك تقتضى الثقة ، مع أن صحته لا تتعلق بالادراك أصلا ، ويحتاج فيه إلى دليل ، أو إلى الرجوع إلى النفس ، فيصير العلم بصحة ذلك من باب العقليات لا من باب الادراك . فإذا وجب القضاء به ، وان لم يتناوله الادراك ، فما الّذي يمنع من القضاء بصحة العقليات إذا علمها الانسان ، وان / لم يتناولها الادراك ؟ فأما رجوع المعتقد عن الشيء ، فلا تعلق لهم به ، لأن الرجوع عن الشيء لا يدل على فساده ، ولا على صحة المرجوع إليه ، وقد يثبت المعتقد على الفاسد ويرجع عن الصحيح ؛ ويقع ذلك من الواحد ، ومن الجماعة . فليس في هذا دلالة على أن العقليات لا تصح ، من حيث يقع فيها هذا المعنى .
وبعد ، فإذا صح أن المدرك قد يرجع ، فيما أدركه عما اعتقده ، إلى سواه ؛ ولا يوجب ذلك بطلان ما يؤدى إليه الادراك ؛ نحو من يدرك السراب ويعتقده ماء ، لم يرجع عن ذلك إلى أنه سراب . فكذلك ، لا يجب أن يتوصل بمثله إلى أن العقليات لا تصح . ويجب أن يعتمد ، في كل ذلك ، على سكون النفس إلى ما اعتقدناه من جهة العقل والادراك والنظر ، فنقضى بصحة ما اختص بذلك دون ما عداه .
وقد بينا أن ادراك الشيء ، ليس هو الموجب لكون اعتقاده علما ، وانما صار كذلك لوقوعه من فعل العالم بالمعتقد . ولذلك تسكن النفس إلى المدرك بعد تقضّى الادراك ، وادراك العلم بالمدرك بما « 1 » ذكره
هامش
( 1 ) بما : في الأصل « بم » .