تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
صحته . وانما نقول ، في هذه العلوم : ان بعضها يتعلق ببعض ، متى كان أصلا له ، أو كالأصل ، فإذا لم يكن هذا حاله ، فبحصوله علما مع فقد الآخر ، غير ممتنع . ولذلك لم يحصل العلم بحال المشاهد ، ولما حصل العلم بذاته ووجوده . وان أرادوا بهذا القول : انه لولا العلم بما يدرك بالحواس ، لما صح أن يعلم الانسان سائر الأمور . فذلك صحيح . لكنه لا يجوز أن يعبر عن ذلك بأن علوم الحواس قاضية على علوم العقل ؛ بل يجب أن يقال : انها أصل لها . وان أرادوا بذلك أن بالادراك تعلم صحة العلوم / العقلية ، فذلك باطل . لأنا قد بينا أن الطريق الّذي تعلم به صحة جميع العلوم ، هو أن من حق العلم أن يختص سكون النفس دون غيره . فإذا علمنا سكون النفس ثابتا في الكل ، وجب القضاء بصحة جميعه . ويجب على هذا ، أن يكون العقل قاضيا على صحة العلم بالمدركات ؛ لأن به نعلم صحتها ، على الوجه الّذي رتبناه ؛ ولولاه لما علم ذلك . ولا يجوز أن يقال : ان العلوم الادراكية هي القاضية على العلوم العقلية ، لأنها أجلى منها وأقوى ، أو لأنه لولاها ، لما حصلت هذه ، أو لأنها تزول بزوالها . وذلك أن كون هذه الوجوه لا مدخل لها في كون العلم صحيحا ، وكون طريقه صحيحا . وما قدمناه ، من أن بالعقل نعلم أن هذه العلوم صحيحة ومفارقة لغيرها ، له تأثير في هذا الباب ، فيجب أن يكون العقل ، من الوجه الّذي قلناه ، هو القاضي على صحة ما تؤدى إليه الحواس . وسنكشف ذلك عند الكلام في صحة النظر ، وبيان ما به تعلم صحته .