فصل آخر يلحق بما قدمناه /
حكى أبو الحسن بن موسى ، عن كتابه ، أن في الدهرية من يقول :
لا أقضى الا بما أشاهده ، ومن يقول : انه قد يقضى بما يشاهد ، وبما يفعل ، ويدل عليه الدليل .
ثم اختلفوا ، فقال قوم ، في الحواس : انها القاضية على العقول . وقال قوم : بل العقول تقضى على الحواس . وقال قوم : للحواس عمل ، وللعقول عمل ، ولا يقضى بأحدهما على صاحبه .
وان علم ، أن سكون نفس المعتقد منا إلى ما يعلمه الا من جهة الادراك ، لكن ببديهة العقل ، كالعلم بقبح الظلم وحسن الانصاف ؛ أو يعلمه عن نظر يجرى مجرى سكون النفس إلى ما يعلمه بالادراك ؛ فلا فرق بين من قال : انه لا يوثق الا بما يدرك ، وبين من قال : لا يوثق بالمدرك أيضا ؛ فإذا كانت الثقة بالمدرك واجبة ، لا لعلة أكبر من سكون النفس إلى ما أدركه ، وهذه العلة حاصلة في سائر العلوم ؛ فيجب الثقة بها .
فان قال : انما وجبت الثقة بما ندرك ، لأن العقلاء مجمعون على صحة ما تؤدى الحواس إليه ، ووجدناهم يختلفون فيما نعلم بالعقل ، ووجدنا أهل العقول يرجعون عن الاعتقاد إلى ضده ، وعن صحة القول إلى فساده ويزعمون أن فيما عدلوا إليه ثابتا من الحجة ، مثل زعمهم فيما كانوا