قيل له : ان الدواء لا يوجب ضررا ولا نفعا ، وانما يحدثان أو أحدهما عند تناوله بالعادة . وقد أجرى ، تعالى ، العادة فيه أن يحدث عند المضار والمنافع بحسب المصالح . وليس كذلك حال الجسم ، لأنه لا يجوز أن يكون قديما محدثا ، لا بالعادة ولا غيرها . وقد بينا أن الضرر والنفع قد يتبع الشهوة والنفور دون حال الشيء نفسه ؛ وليس كذلك حال المذاهب .
فأما ادراك صاحب المرّة العسل مرّا ، وادراك غيره له حلوا ، فالتعلق به بعيد . لأن ادراك أجزاء العسل لا يختلف فيهما ، وانما تقترن ، في صاحب الصفراء بالعسل ، المرّة ، فتغلب العسل أو تغلب على موضع الذوق ، فيصير مدركا مع العسل غيره ؛ وصاحب الذم يدرك مفردا عن المرّة ؛ فلذلك يختلفان . ولو أدركاه ، على حد واحد ، لما اختلفا .
فما في هذا ، يتطرق به / إلى جواز كون الشيء على صفات متضادة ؟
وانما صح ذلك في العسل ، عند مجاورة غيره له ، في الذوق ؛ على نحو يصح في الماء ، إذا أذيب فيه الزعفران ، أن يدرك بلونه ، وان كان لون الماء لم يتغير . وقد يبقى ، من الدواء الكريه في فم شاربه ، بعض الأجزاء ؛ فإذا أكل غيره ؛ لم يجد طعمه على نحو ما يجده غيره ، لاختلاط تلك الأجزاء به ؛ فكذلك القول في العسل . فإذا جاز ، أن يظن الرأي للأسود والأبيض إذا اختلطا ، أنه كالملون بلون آخر ، فما الّذي يمنع ما ذكرناه .
ولما قدمنا ، تختلف حال صاحب المرّة الصفراء فيما يذوقه . ففيه ما يذوقه ويجده مرّا ، وفيه ما يجده بخلافه ، من حيث كانت المرة الحاصلة في موضع دونه يختلف تأثيرها فيما يؤثر فيه من حلو وحامض .
وقد بينا ، في باب الادراك ، أن الطعن بذلك في أنه لا يجب أن يوثق
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 52
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٢