بطل ذلك على وجهين : أحدهما لأنه مفارقة لقول هذه الفرقة إلى قول السوفسطائية الذين لا يثبتون لشيء من الأشياء حقيقة ؛ والثاني أنا قد أثبتنا لما يستحسن ويستقبح حقيقة . لكنا بينا أنه لكونه على صفة واحدة ، قد يشتهى ، وقد ينفر الطبع عنه . فيجب ، على هذا ، أن نثبت لسائر المعتقدات حقيقة . فإذا لم يصح أن تكون حقيقتها أن تكون قديمة محدثة ، وعلى صفات متضادة ، لم يبق الا ما قلناه . ولذلك لم نجوّز كون الواحد منا مستحسنا للخلقة ، ومستقبحا لها ، في الوقت الواحد على وجه واحد ، لما أوجب ذلك تضاد صفة الحي . ويجب ، على ذلك ، أن يخرج الشيء من أن يكون قديما أو محدثا ، أو موجودا أو معدوما ، متى لم يعتقد أحد فيه ذلك . كما تخرج الخلقة من أن تكون مستحسنة مستقبحة ، متى لم يستحسنها أحد ولا استقبحها أحد . وفساد ذلك ظاهر . وانما صح في دود الخل أن يعيش فيه دون غيره ، لأنه يتغذى بالخل ، ولا يؤثر الخل في مجارى أنفاسه من حيث يبنى بنية مخصوصة . / وليس كذلك غيره ، لأن الخل لا يؤثر فيه ولا يغذيه « 1 » ، كالسمك يعيش في الماء لاختصاصه ببنية ، لا يؤثر الماء في مجارى أنفاسه ، معها . ويفارق غيره من الحيوان ، ولذلك يتلف بخروجه من الماء ، من حيث تغلب عليه الحرارة ، وقد زالت المادة المسكنة لها من الماء الّذي يصل إلى مواضع الحمأ واللهيب . فما في هذا ، مما يستشهد به ، فيما قالوه من التجاهل ؟
فان قال : أليس في الأدوية ما ينفع زيدا ، ويضر عمرا ؛ وان استحال كونه ضارا لمن هو نافع له ؟ فهلا جاز مثله في المذاهب ؟
هامش
( 1 ) ولا يغذيه : في الأصل ( ولا يغذوه ) .