المجتهد الآخر ، أو من يقلده . وإذا كان المحلل غير المحرم ، لم يتناف القول فيهما بذلك . ولو كان المحلل هو المحرم على وجهين أو عند حصول شرطين ، كان لا يمتنع أيضا .
وليس كذلك ما قالوه ، لأنهم أثبتوا الشيء على صفتين ضدين ، ويستحيل كونه عليهما من حيث اعتقد المعتقد أن ذلك فيه . ومثل ذلك لا نجيزه في الاعتقاد ، ولا غيره . وانما شاع في مسائل الاجتهاد ، ما قدمناه ، لأن الكلام فيها يتناول أفعال المكلفين في المستقبل . فأما إذا كان الكلام على أمر متقدم ، فلا بد من كونه على صفة واحدة ، باعتقاد المعتقد فيه أنه ليس عليها ، أو أنه على الصفة المضادة لها ، جهل لا محالة .
فأما تعلقهم باستحسان زيد الخلقة ، واستقباح عمرو لها ؛ فان ذلك ، إذا صح في الحقيقة ، لم يمتنع مثله في المذاهب . فقد بينا من قبل أن ذلك انما صح من حيث يرجع ذلك إلى شهوة أحدهما للنظر إليها ، ونفور الآخر عنه ؛ وحال الخلقة لا يتغير . وليس كذلك ما قالوه لأنهم حكموا بأن المعتقد على صفتين ضدين لمكان الاعتقاد . وقد بينا أنه انما صح في الاستحسان والاستقباح ، وان كانت الخلقة على صفة واحدة ؛ لأن المدرك ، لاختصاصه بحال واحدة ، قد يشتهى ، وقد ينفر الطبع به .
وليس كذلك حال / المذاهب . ولهذا لا يجوز أن يعتقد أحد في الظلم ، مع علمه بكونه ظلما ، أنه حسن ، ولو اعتقد أحدهما فيه أنه حسن من جهة العقل ، لكان اعتقاده جهلا . ومتى حملهم ما قدمناه على ارتكاب التشويه بين المذاهب ، وبين استحسان الخلق ، وأن المذاهب لا حقيقة لها في أنفسها ، وانما يعتبر فيها اعتقاد المعتقد ، كالاستحسان والاستقباح ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 50
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٠