فصل في إبطال القول بأن حقيقة كل شيء ما يعتقده المعتقد /
وقد حكى أبو عثمان الجاحظ ، رحمه اللّه ، وغيره ، أن فرقة من أصحاب التجاهل زعمت أن لا حقيقة للأشياء في نفسها وحقيقتها . عند كل أحد ما يعتقده . وهذا كالخل الّذي يحيا فيه دوده ، فان طرح في غيره مات ؛ وكالعسل الّذي يجده المعتدل المزاج حلوا ، وصاحب المرة الصفراء يجده مرا ، فهو حلو مرة ، ( ومرّ مرّة ) « 1 » ، متى أضيف إليهما .
قالوا : وذلك كالاستحسان والاستقباح ، لأن زيدا يستحسن الحادثة ، ويستقبحها عمرو ، ويريدها أحدهما ، ويكرهها الآخر ، ويشتهيها أحدهما ، وينفر طبع الآخر عنها . فكذلك يجب إذا اعتقد أحدهما أن العالم قديم ، والآخر أنه محدث ، أن تكون حقيقته أن يكون قديما ومحدثا بالإضافة إليهما .
وهذه الفرقة قد أقرت بالحقائق ، على بعض الوجوه ؛ وفارقت من ينفى الحقائق أيضا . وان كان من جهة المعنى لا فرق بينهما ، فيما نعلم باضطرار . لأنا قد بينا أن العلم بأنه معتقد وساكن النفس ، ضروري ؛ وان كانت الشبهة قد تحصل في أن سكون النفس يتبع الاعتقاد أو غيره ، وأنه يجب فيه من حيث كان علما ومن حيث يقع على الوجوه التي قدمناها .
فلا بد من حصول العلم لكلا الطائفتين بما ادعيناه ضروريا ومن صحة علمهم ،
هامش
( 1 ) ومرمرة : أضيفت كي يستقيم النص .