غلب الصفراء عليه ( مرّ ) « 1 » ، كسكونه إلى سائر ما يدركه ، ثم ينكشف له خلاف ما اعتقده ؛ فما الّذي نؤمنه / من مثله في سائر المدركات التي يعلمها ، فبعيد . لأن نفسه لا تسكن إلى أن ما رآه ماء وانما تشاهده بصفة الماء لتشبهه به في البياض واللمعان واضطرابه في الموضع الّذي أدركه . فما أدركه صحيح ، وان أخطأ في اعتقاده ماء . وليس كذلك ما نعلمه من كون الماء ماء ، عند مشاهدته له .
وقد بينا ، من قبل ، كثيرا من علل الخطأ في الادراك . وبينا أن الادراك في الحقيقة لم يخطئ ، وانما أخطأ المدرك في الاعتقاد عنده لضروب ذكرناها لا وجه لإعادتها . وبينا أن اعتقاد النائم لا شبهة فيه ، لأنه لا تسكن نفسه إليه ، وهو في بابه أبعد ممن يظن السراب ماء . ولذلك ربما يرى رأسه مباينا لجسده ، ويرى نفسه ميتا مشاهدا لغيره . وكل ذلك ، مما نعلم ضرورة فساده .
وما قدمناه ، يسقط قول من يقول : ان كان ما به يعلمون العلم علما نفسه ، لم يصح ؛ وان كان غيره ، فيجب أن لا يعلم الا بعلم آخر . وذلك يوجب اثبات ما لا نهاية له ، ليصح أن يعرف الانسان علمه ، ويثق بما علمه ؛ وذلك محال . لأنا لا نوجب أن لا يعلم الانسان أنه عالم ، الا بعد أن يعرف كل علم حصل في قلبه . بل متى حصل في قلبه العلم بأنه عالم ، علم نفسه عالمة بالمعلوم ، سواء علم علمه أم لا . ولذلك صح أن يعلم المدركات بالاضطرار ، ولا يعلم نفسه عالما باضطرار ، ولا أن له علما .
هامش
( 1 ) مر : أضيفت كي يستقيم الكلام .