تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
ومفارقة الأسود للأبيض ، والحلو للحامض ، والطويل للقصير ، والصغير للكبير . فقد جحد ما يعلمه باضطرار ، فيجب أن ننبه على فساد قوله ، بما حكيناه في صدر هذا الباب ؛ وبأن نبين أن تصرفه فيما أدركه ، على ما ذكرناه ، / يخالف تصرف الظان المبخت ، وأنه يطابق المعرفة بحال ما تصرف فيه ، وأن حكمه يخالف حكم المشاهد إذا كان صبيا غير عاقل ، كما يفارق تصرف الظان المبخت ، فنسلك معه في التنبيه ، هذا المسلك . فأما ان قال : انى أتصور علمي بصورة الظن والحسبان ، وأجوّز في معلومه لهذه الجهة ما أجوّزه في الظن ، وأجرى اعتقادي مجرى اعتقاد النائم فيما يشاهد ويرى ، واعتقاد من يظن السراب « 1 » ماء فالذي يجب أن يسلك في مكالمته ، بيان حال العلم ، وما به يفارق ما ليس بعلم بسكون النفس ، ونجعل ذلك دلالة على أن ما أوجبه يجب أن يكون صحيحا مفارقا للظن الّذي يجوز فيه أن لا يحصل مظنونه على ما ظن . وصارت ، هذه الطريقة في الدلالة على مفارقة حال العلم لغيره ، تميز له الاستدلال بصحة الفعل من زيد ، وتعذره من عمرو ، على اختصاصه بحال . لأنا نعلم سكون النفس عند وجود العلم ، وتعذر ذلك في الاعتقاد الّذي هو ظن وتقليد وتبخيت ، كما نعرف صحة الفعل من واحد دون آخر . فليس لأحد أن يقول : انكم رجعتم في هذا الباب إلى الأول الّذي ادعيتم فيه الضرورة . لأنا ، وان رجعنا إليه ، فقد جعلناه دليلا على غيره ؛ فهو مفارق للوجه الّذي يمنع فيه من الاستدلال ، لأنه انكار نفس الضرورة ، لا ما الضرورة دالة عليه .
هامش
( 1 ) السراب : في الأصل « الشواب » .