فان قال : أوليس من قول أبى هاشم ، رحمه اللّه ، أن الظن هو الاعتقاد ؟ فكيف يصح ما أوردتموه / من الفرق ؟
قيل له : قد بينا أن الصحيح غير ما قاله ، وأنه حسن سوى الاعتقاد .
ومن أقوى ما يوجب ذلك فيه أن كون الاعتقاد متعلقا بالشيء على ما ليس به يوجب ، وليس كذلك الظن .
فان قال : فجوزوا أن يكون اللازم للمكلف أن يعلم من حال القديم ما ذكرتموه ان سلك طريق الأدلة ، أو يجب عليه الظن ان لم يسلك هذه الطريقة وسلك طريقة الأمارات ، كما يجب مثله في أمور الدنيا .
قيل له : لا يصح ما ذكرته من وجهين : أحدهما أن الظن انما يقوم مقام العلم فيما لا طريق إلى العلم به ؛ فأما إذا كان يصح طريق العلم ، وكان للمكلف إلى الوصول إليه سبيل ، فيجب أن لا يحسن الظن بدلا منه ، وانما يحسن الظن فيما يتصل بالتجارات وغيرها لأنها ليست من باب العلم ؛ وكذلك القول في الاجتهاديات من المسائل . وقد بينا أن لمعرفة اللّه ، تعالى ، طريقا تتميز من غيرها ، وأن النظر فيها يوجب المعرفة ؛ فكيف يقال : ان الظن يقوم مقامه ؟ على أن من حق الظن إذا قام مقام العلم أن لا تنفصل الحال من أن تكون مظنونة على ما ظنه ، أوليس كذلك في أنه يحسن في الحالين . أما ترى أن التاجر إذا ظن أنه يربح في بعض التجارات بأمارة فله أن يقدم عليها عند الظن ، سواء كان مظنونه على ما ظنه أو على خلافه ؟ فكان يجب على هذا الموضوع أن يحسن ممن يدين في اللّه ، تعالى ، بخلاف ما يذهب إليه من التوحيد والعدل إذا سلك فيه طريقة الأمارات ؛ كما / يحسن ذلك ممن يوافق في هذه المذاهب . وهذا يوجب أن الحق في المذاهب على اختلافها ، وأن كلهم محقون .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 529
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٢٩