الواضح من الأدلة ، فأنت تتبين هذا من حالهم إذا جاز يتهم للأمور المتعلقة بالدنيا . فان أحدهم يدقق النظر فيه ويتغلغل إلى ما لا يصح أن يقف عليه الذكي من أهل العلم المبرر منهم . وذلك يدل على أن الأدلة « 1 » حاصلة ، وانما ذهبوا عن الطريقة في هذا الباب استرواحا إلى طلب الراحة ، والكف عن النظر المتعب ، إلى ما شاكل ذلك من الوجوه التي تصرف عن النظر في الأدلة من تقليد وغيره ، على ما قدمنا القول فيه .
فان قيل : أليس يسوّغ للعامة في الشرعيات التقليد ؟ فهلا جوزتم مثل ذلك في أصول الدين ؟
قيل له : لأن المقلد في الشرعيات لا يلزمه أن يعتقد أن ما قلد فيه هو الدين والحق ، وأن المقلد مصيب عالم وانما يلزمه أن يعمل بذلك ويتوقف فيما ذكرناه ، كما يلزم الحاكم أن يحكم بشهادة الشهود ويتوقف عن صدقهم أو كذبهم . وليس كذلك التقليد في أصول الدين ، لأنه لا يمكن فيه الا الاعتقاد لمثل ما يعتقده المقلد واظهار مثل مذهبه ، وهذا قبيح على ما بيناه .
فان قال : / جوّزوا أن يكون وقوعه على جهة التقليد يوجب من حسنه ، مثل ما يوجبه إذا وقع عن النظر .
قيل له : ان ذلك لا يصح ، لأن بالتقليد لا يخرج من أن يكون غير آمن من كون الاعتقاد جهلا . ولأن التقليد ، على ما بيناه من قبل ، هو أن يحتذى على المقلد فيساويه في الاعتقاد الّذي هو جهل بأمر يخرجه من أن يكون آمنا من كون اعتقاده جهلا . وليس كذلك ما يقع عن النظر ،
هامش
( 1 ) الأدلة : في الأصل « الاله » .