في أنه لا يصير ملجأ إلى ردها ، ولا يخرج من أن يكون مكلفا لذلك ؛ وكذلك القول في سائر العبادات .
فان قال : فأنتم تقولون في أهل الجنة إذا اضطرهم تعالى إلى المعرفة أنه لا يصح « 1 » أن يكلفهم ولا يصح مجامعة التكليف لهذا الاضطرار ؛ فهلا وجب مثله فيما ذكرناه ؟
قيل له : انا نقول في أهل الجنة أنه لا يجوز أن يكلفهم تعالى ، لا لأنه اضطرهم إلى المعرفة ، لكن لثبوت الالجاء من وجه آخر . وهو أنه تعالى يعرفهم أنهم لو حاولوا فعل القبيح لمنعوا منه ولحيل بينهم وبينه ، فيصيرون عند ذلك ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبائح ، ويزول التكليف عنهم . وهذا الوجه لا يوجب حصوله لو اضطرهم تعالى في دار الدنيا إلى المعرفة ، وإذا لم يحصل ثبت الاضطرار وزال الالجاء وصح التكليف ، وسقط بذلك ما سألت عنه .
فان قال : ألستم تقولون انه تعالى لو جعل المكلف بحيث يعاين الجنة والنار إذا حضره ما يستحقه من العقوبة وفعله به ، لزال التكليف وحصل ملجأ ؟ وهلا كان العلم الضروري من حيث تمتنع الشبهة فيه من / كل وجه ، بمنزلة مشاهدة ذلك في هذا الوجه ؟
قيل له : ان حصول الشيء وحضوره يؤثر ما لا يؤثر العلم به إذا تأخر . ألا ترى أن المعاين للمنافع والمضار يحصل ملجأ إلى تناول المنفعة ودفع المضرة ، على بعض الوجوه ، ولو علم ذلك لم يحصل الالجاء ؟ فلهذا فرقنا بين الأمرين ، والعلة في ذلك ظاهرة . لأن حضور العقاب والثواب
هامش
( 1 ) لا يصح : بعد هذه الكلمة توجد عبارة زائدة هي ( أن لا يصح ) .